حصة مروان السديري
تجسد مدن الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية قصة فريدة من التكيف بين الإنسان والبيئة؛ إذ لم يكن البحر مجرد مصدر للرزق أو طريقًا للتجارة، بل شكّل أساسًا للحياة والعمران والهوية الثقافية. وتُعد جدة التاريخية أحد أبرز الأمثلة على هذا التكيف، إذ ارتبط تاريخها وازدهارها ارتباطًا وثيقًا بالبحر الأحمر وما يختزنه من موارد طبيعية.
ومنذ أن أصبحت جدة الميناء الرئيس للحجاج والتجارة في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، في القرن الأول الهجري (السابع الميلادي)، اعتمد سكانها على البحر في بناء مدينتهم وتطويرها. ومن أبرز مظاهر ذلك استخدام «الحجر المنقبي» أو «الحجر المرجاني»، وهو حجر يُستخرج من السواحل، ويتكون من الشعاب المرجانية والقواقع المتحجرة في البحر الأحمر. وقد استُخدم في تشييد المنازل والمساجد والأربطة والموانئ وسور المدينة التاريخي، حتى أصبحت عمارة جدة التاريخية انعكاسًا مباشرًا لبيئتها البحرية.
ولم تقتصر أهمية المرجان على كونه مادةً للبناء، بل امتدت لتشمل حماية المدينة وتنظيم الحركة البحرية إليها. فقد شكّلت الشعاب المرجانية المنتشرة قبالة ساحل جدة حاجزًا طبيعيًا أعاق اقتراب السفن الكبيرة من الشاطئ، مما كان يفرض عليها التوقف في عرض البحر. ومن هناك كان أهل جدة يتولون نقل الحجاج والتجار والبضائع إلى المدينة بواسطة القوارب الصغيرة، مستفيدين من معرفتهم الدقيقة بالممرات الآمنة بين الشعاب المرجانية، وهي معرفة توارثتها الأجيال عبر القرون.
كما منحت هذه الشعاب المدينة ميزة دفاعية مهمة؛ إذ صعّبت وصول السفن المعادية إلى ساحل جدة، وأسهمت في تعزيز حمايتها خلال فترات الصراع البحري، ومنها الهجمات البرتغالية التي استهدفت البحر الأحمر في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي). وهكذا تحولت الشعاب المرجانية من عنصر طبيعي إلى حصن دفاعي، يشكل جزءًا من منظومة الحياة في المدينة، ويؤثر في عمرانها واقتصادها وأمنها.
إن مدينة جدة تجسد نموذجًا لمجتمع استطاع أن يفهم بيئته، ويتكيف معها، ويستثمر مواردها بذكاء. فمن المرجان استخرج مواد البناء، ومن الشعاب استمد الحماية، ومن البحر صنع ازدهاره التجاري، واستقبل الحجاج القادمين إلى الأراضي المقدسة.
لذلك يمكن النظر إلى جدة بوصفها «مدينة المرجان»، المدينة التي لم تُبنَ بجوار البحر فحسب، بل بُنيت من البحر نفسه، وتشكلت هويتها من علاقة استثنائية بين الإنسان والطبيعة، استمرت لأكثر من ألف عام.