محمد عبدالله العتيبي
سبق لي قبل عامين أن كتبت مقالة بعنوان «ماذا تفعل وزارة الثقافة؟»، أشرت فيها إلى مبادرة «الشريك الأدبي» التي أطلقتها وزارة الثقافة، ممثلةً بهيئة الأدب والنشر والترجمة، بهدف جعل الثقافة أسلوب حياة للمجتمع بمختلف أطيافه، وهو ما تحقق -بفضل الله-؛ إذ لاقت المبادرة انتشارًا واسعًا، وكانت لها آثارها الإيجابية، وأسهمت في إبراز عدد من المواهب.
وفي الأيام الماضية شهدنا ختام لقاءات النسخة الخامسة من هذه المبادرة، التي امتدت على مدى خمس سنوات متتالية، وهي مدة أراها كافية لأن نتأمل التجربة ونسعى إلى تطويرها أكثر فأكثر، من خلال تعزيز الإيجابيات المكتسبة، ومحاولة تلافي بعض السلبيات، ومنها تركيز بعض الشركاء على العدد والكم على حساب الكيف ونوعية وجودة بعض اللقاءات، وكذلك الحد من كثرة تكرار بعض الموضوعات، إذ إن التكرار قد يكون مقبولًا إلى حدٍّ ما.
وبمناسبة الحديث عن التكرار، وقبل ذلك، أود أن أشير إلى أنه كان لي شرف المشاركة في هذه المبادرة القيمة؛ إذ كنت ضيفًا في لقاءين أعتز بهما كثيرًا. ولا أخفيكم أيضًا أنني تلقيت دعوات من بعض الشركاء الأدبيين لأكون ضيفًا أو محاورًا في عدد من اللقاءات والأمسيات، غير أنني اعتذرت منهم بكل لباقة واحترام وتقدير، وأنا شاكر وممتن لهم ولحسن ظنهم بي.
وقد كان اعتذاري نابعًا من انشغالي بكثير من الأمور الحياتية، وقلت لهم: «إن ذلك يتطلب استعدادًا ذهنيًا، وتحضيرًا وإعدادًا وتجهيزًا مسبقًا، سواء في الموضوعات حين أكون ضيفًا، أو حين أكون محاورًا يبحث في الموضوع ويتعرف إلى خلفية الضيف استعدادًا لمحاورته». وكنت أضيف: «لعل ذلك يتيسر إذا سنحت الفرصة مستقبلًا، بإذن الله».
فأنا أرى أن الأمر ليس بالسهولة التي يعتقدها بعضهم، فالإعداد يأخذ وقتًا لمن أراد أن يقدم شيئًا يستحق التلقي. وقد قدمت أمسيتين كنت فيهما ضيفًا، وأجد نفسي -ولله الحمد- قد وفقت فيهما إلى حد كبير؛ لأنني خصصت ما يقارب شهرًا كاملًا للإعداد والتحضير والتفكير.
صحيح أن بإمكاني الإعداد خلال وقت قصير جدًا، كما قد يفعل بعضهم، ولكنني مؤمن بأن العمل الحقيقي، وما يستحق التقديم، لا يُنجز بهذه السرعة، بل يحتاج إلى وقت وجهد وبحث وتفكير، ومحاولة تقديم ما يليق بالضيف والمتلقي على حد سواء.
وصحيح أنك لن ترضي الجميع، ولكنك -على الأقل- تكون قد قدمت ما يرضي ضميرك، واعتذرت عما قد لا يضيف إليك شيئًا، أو قد يجعل الآخرين يملونك. فالكيف أهم من الكم، وبإمكاني إعادة ما قدمت مع تغيير العناوين، كما بإمكاني الإقدام على مغامرة لست مستعدًا لها ذهنيًا وفكريًا ونفسيًا، ولكن المخرجات -بلا شك- ستكون أقل بكثير من المتوقع؛ لأنها ستكون شبه خالية من الحماس والشغف، وقبل ذلك من لذة البحث والتحضير.
والحقيقة أن حديثي هنا، والهدف من هذه المقالة، هو تقديم مقترح إلى المسؤولين في هيئة الأدب والنشر والترجمة بوزارة الثقافة، المعنيين بهذه المبادرة، يتمثل في توسيع نطاقها لتكون أكثر حضورًا في المجتمع، من خلال عقد شراكات تُقام بموجبها بعض لقاءات مبادرة «الشريك الأدبي» في المدارس والجامعات والقطاعات الحكومية، لتتسع دائرة التأثير، وتعم الفائدة أكثر فأكثر.
وكلنا ثقة بالمسؤولين في الأخذ بكل رأي يصب في الصالح العام.
وعلى دروب الحب والخير والثقافة نلتقي -بإذن الله-، وإجازة سعيدة أتمناها للجميع.