أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
ويعرف أن هذه الكلمة تبدو صغيرة حين تُكتب على الورق، لكنها في داخله تمتد على مساحة واسعة من العمر، وتتشعب في تفاصيل الأيام، وتنساب في مجرى الحياة حتى تغدو جزءًا من طريقته في النظر إلى الأشياء.
فالحب الذي يسكنه نحوها تشكّل بهدوء، ونما على مهل، حتى وجد نفسه ذات يوم يفكر فيها أكثر مما يفكر في نفسه، ويبحث عن أخبارها قبل أن يلتفت إلى أخباره، ويستشعر حضورها في تفاصيل كثيرة لا يعرف كيف وصلت إليها.
يحبها!
ويرى أن الأيام التي عرفها فيها تختلف عن الأيام التي سبقتها؛ فالوقت الذي يمضي معها يحمل طعمًا خاصًا، والحديث الذي يجمعه بها يترك في نفسه أثرًا يبقى طويلًا، والصمت الذي يتخلل بعض اللحظات يبدو ممتلئًا بالحياة، كأن الأرواح حين تقترب من بعضها تعرف كيف تتواصل بطرق لا تحتاج إلى كثير من الكلمات.
حين يتأملها.. لا يتوقف عند ملامح الوجه أو جمال الصورة وحدهما، فهذه الأشياء تقع عليها العين أولًا ثم تعتادها، أما الذي يأسره حقًا فهو ذلك العالم الكامل المختبئ خلف الملامح؛ طريقتها في الفرح، وطريقتها في الحزن، وطريقتها في النظر إلى الحياة، ذلك الصفاء الذي يتسرّب من حديثها دون أن تشعر، فيجعل الأشياء أكثر بساطة، ويمنح الأيام شيئًا من الطمأنينة التي يفتقدها الناس في زحام أعمارهم.
يحبها!
ولذلك يحفظ تفاصيلها الصغيرة كما يحفظ المرء الأشياء الثمينة التي يخشى عليها من الضياع، يتذكر كلمة قالتها قبل زمن طويل، ويستعيد ضحكة مرّت ثم بقي صداها في قلبه، ويتوقف عند المواقف التي ربما لم تمنحها هي أهمية كبيرة، بينما ظلت عالقة في ذاكرته كأنها جزء من تاريخه الشخصي، فالمحب يمتلك ذاكرة مختلفة، ذاكرة تحفظ كل ما يتصل بمن يحب، مهما بدا بسيطًا.
يشعر دائمًا أن وجودها أضاف إلى حياته معنى جديدًا للجمال، فالعالم الذي كان مألوفًا من قبل صار أكثر إشراقًا، والأماكن القديمة اكتسبت دفئًا إضافيًا، والأغنيات التي كان يسمعها منذ سنوات طويلة بدأت تكشف له عن معانٍ لم ينتبه إليها من قبل، وكأن الحب يوقظ في الإنسان مناطق كانت نائمة، ويجعله أكثر قدرة على التقاط الجمال الكامن في الأشياء.
حين تغيب.. يكتشف مقدار المساحة التي تحتلها في داخله، فبعض الأشخاص يحضرون في اللقاء ثم ينصرفون مع انصرافه، أما هي فترافقه بعد انتهاء الحديث، وتبقى معه في الطريق، وتجلس إلى جواره في لحظات التأمل الطويلة، وتحضر في الأفكار التي ينسجها قبل النوم، وفي الأمنيات التي يستقبل بها الصباح؛ ولهذا يبدو الشوق إليها مختلفًا؛ لأنه يمتد على مدار اليوم، ويتلون بأشكال متعددة من الحنين.
يحبها!
ويعرف أن الحب الحقيقي يتجاوز الرغبة في الامتلاك إلى الرغبة في أن تكون بخير، وأن تجد طريقها إلى السعادة، وأن تظل الحياة كريمة معها، يشعر بالفرح حين يراها سعيدة، ويضيق قلبه حين تمر بها لحظة حزن، ويتمنى في أعماقه لو استطاع أن يزيح عنها كل ما يثقل روحها، فالحب الصادق يمنح الإنسان قدرة عجيبة على الخروج من حدود ذاته، والنظر إلى العالم من نافذة شخص آخر.
يحبها!
لأن حضورها يعيد إليه شيئًا من براءة القلب، ففي هذا العالم المزدحم بالحسابات والخيبات والتجارب الثقيلة، جاءت هي كأنها تذكير هادئ بأن الحياة ما تزال تحتفظ بجوانب جميلة، وأن الروح قادرة على أن تبدأ من جديد، وأن القلب مهما أثقلته الأيام يظل محتفظًا بقدرته على الدهشة.
يراها جزءًا من الحكاية كلها، يراها في أحلامه القادمة، وفي السنوات التي لم تأتِ بعد، وفي البيوت التي يتمنى أن يسكنها يومًا، وفي التفاصيل اليومية التي تمنح العمر قيمته الحقيقية، فالحب يعيش في الرغبة الصادقة في مشاركة الأيام العادية، والأحاديث اليومية، والتفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة.
يحبها!
إلى الحد الذي يجعله يشعر أن الدعاء لها نوع من المحبة، وأن التفكير فيها نوع من الامتنان، وأن وجودها في حياته هدية لم يكن يتوقعها، وحين يسأله أحدهم عن السبب الذي جعله يتعلق بها كل هذا التعلق، يعجز عن تقديم إجابة كاملة؛ لأن المشاعر الكبرى لا يمكن اختصارها في سبب واحد، ولا يمكن تفسيرها بجملة واحدة، هي تتكون من آلاف التفاصيل التي اجتمعت حتى صنعت هذا الشعور العميق.
يحبها!
وحسبه من الحب أن يراها في قلبه كلما أغمض عينيه، وأن يشعر أن الأيام تمضي برفق أكبر منذ عرفها، وأن يدرك في نهاية كل يوم أن بعض الناس يمرون في حياتنا مرورًا عاديًا، بينما تأتي أرواح أخرى فتترك أثرها في العمر كله.. كله.