أ.د. محمد بن عبدالعزيز العميريني
حين أسترجع شريط العمر اليوم، وقد تجاوزت الخمسين، أذكر أنني لم أرَ في بداياته ألعاب الطفولة ولا ضحكات الصغار، بل أرى باباً أُغلق مبكراً، ويداً حانية غابت قبل أن أتعلم كيف أتمسك بها.
كنت في السادسة من عمري تقريباً، أجلس على مقعدي في الصف الأول الابتدائي، أتعثر في تهجئة الحروف الأولى للحياة، كنت أظن أن أصعب ما في الحياة أن أتعلم تلك الحروف وأجمع الكلمات، حينها جاء الخبر الذي غيّر كل شيء مات أبي، لم أفهم حينها معنى الموت، كل ما فهمته أن الوجوه تبدّلت، وأن البيت الذي كنتُ أعرفه صار بيتاً آخر.
لم أكن أدرك معنى الموت كامل الإدراك، لكنني كنت أشعر بأن شيئاً عظيماً قد انكسر، وأن وجوه الكبار أصبحت أكثر صمتاً، وأن أمي التي كانت تبتسم كثيراً ترمق بعيداً كأنها تحمل جبالاً فوق كتفيها، كانت ساكنة سكون الجبل حين تضربه الريح.
مات أبي الذي كان يمثل لنا السقف، وحين يسقط السقف فجأة لا يخاف الأطفال من المطر فقط، وإنما من السماء كلها.. السنوات بعده أشبه بالسير على أرض مجهولة تكتسي بكل أنواع المخاوف والأشباح.
ترك والدي وراءه عدداً من الأبناء والبنات، أكبرنا لم يتجاوز المرحلة الثانوية، لم يكن للأسرة راتب ثابت، ولا تجارة، ولا عقار يدر دخلًا، ولا سند بعد الله إلا امرأة وجدت نفسها فجأة في مواجهة الحياة بكل قسوتها، كانت أمي امرأة عادية في أعين الناس، لكنها في أعيننا كانت جيشًا كاملًا، أضحت الأب حين نحتاج إلى الحزم، والأم حين نحتاج إلى الرحمة والحنان، والظل حين تشتد بنا الشمس، والسند حين تميل الأيام، والأنفاس حين يرهقنا الدهر.
لم نكن نملك كثيراً من أسباب العيش، لكننا كنا نملك أماً تعرف كيف تحوّل القليل إلى كثير، والخوف إلى طمأنينة، والجوع إلى صبر، والعجز إلى أمل، كنا صغاراً لا نرى إلا ما يُوضع أمامنا من طعام، ولا ندرك كم مرة سبقت ذلك الطعام دمعة مخفية، أو دعوة في جوف الليل، أو حيرة بين حاجات كثيرة ويد لا تملك شيئاً، لم تكن تسمح ليتمنا أن يُصبح عذراً للانكسار.
أذكر ليالي طويلة كانت تسهر فيها وهي تظن أننا نيام، كانت تحسب مصروف الغد إن كان ثمة مصروف، وتفكر في احتياجات البيت، وتخفي دموعها كي لا نراها، كنا نظن أنها قوية بالفطرة، ولم نكن نعلم أن القوة الحقيقية هي أن ينهار الإنسان في داخله ثم يخرج للناس ثابتاً كالجبل، كبرنا قليلاً، وكبرت مسؤولياتها كثيراً.
مرت السنون وكان كل واحد منا يعبر مرحلة من مراحل الحياة على كتفيها، كانت أمي تربي أبناءً، وتعيد بناء أسرة كاملة بعد أن ظن كثيرون أنها ستتداعى.
تعلمنا منها أن الكرامة لا تُشترى بالمال، وأن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة إلا نفسه، ومع مرور الزمن بدأت علاقتي بأمي تتجاوز علاقة الابن بأمه، أصبحتْ جزءًا من روحي، بل هي روحي، وصار وجودها شرطاً من شروط الطمأنينة في حياتي، كنتُ إذا مرضتُ أبحث عنها، وإذا فرحتُ التفتُّ إليها، وإذا ضاقت بي الدنيا جلست عندها، كان يكفيني أن أراها لأشعر أن العالم لم يزل بخير، أرأيت أماً تطوي قامة ثكلى، وتحمل حزناً في عينيها مثقلاً تزرع الصبر والطمأنينة والأمل بكل ثبات واقتدار؟!
لم يكن تعلقي بها أمراً عابراً، عشت معها ما يقارب خمسةً وأربعين عاماً بعد وفاة والدي، حتى أصبحت تفاصيلها جزءاً من تفاصيل أيامي، كنت أبكي إذا ألمّ بها المرض، وأتألم إذا رأيت التعب في عينيها، وكان غيابها لساعات طويلة يترك في نفسي فراغاً لا يملؤه أحد، كنت أبحث عن رضاها كما يبحث الظمآن عن الماء في الصحراء القاحلة بعد أن أنهكه العطش، لم تكن أمي بالنسبة لي فرداً من العائلة، كانت العائلة نفسها.
ومع أنني كبرت في العمر، وحصلت على ما حصلت عليه من علم وتجارب، بقيت أمامها ذلك الطفل الذي فقد أباه مبكراً ووجد في أمه العالم أجمع..أعرف رائحة البيت من حضورها، ومعنى العيد من ابتسامتها، والطمأنينة من دعائها وجوارها، وأعرف الخوف حين مرضها..ضحكتها كانت المقيل، وبعينيها أهوى المراح.
ومن أجمل ما أكرمني الله به أنني كنت أصحبها كل عام إلى مكة المكرمة في شهر رمضان، كانت تلك الرحلة أكثر من سفر، كانت عبادة داخل عبادة، كنت أرى سعادتها وهي تنظر إلى الكعبة، فأشعر أن الدنيا كلها اجتمعت في تلك اللحظة، أرافقها في ذهابها وإيابها، أعينها على ما تحتاجه، أراقب راحتها قبل راحتي، ولم أكن أرى ذلك واجباً فحسب، وإنما نعمة يمنحني الله إياها، كم من ليلة رمضانية جلست بقربها في الحرم المكي، أستمع إلى دعائها وأتأمل وجهها المضيء بالإيمان، وكم من مرة دعوت الله أن يطيل في عمرها، لأنني لم أكن أتصور حياتي دونها.
كنت أحسب سفري معها إلى مكة المكرمة فرصة لأرد جزءاً يسيراً من دينٍ لا يمكن سداده، فأيّ ابن يستطيع أن يوفي أماً قضت عمرها كله تحرس أحلامه..!، وكلما مررت اليوم في طريق مكة أقلب ناظري في جنبات الطريق أسأله عمن مروا به ورح لوا، أستنطق أحجار الدروب..ليس للصوت رجع!
ثم جاءت السنوات الأخيرة..بدأ الجسد الذي قاوم طويلًا يتعب، وبدأت أرى الزمن يترك آثاره على ملامحها.. يسرقها منا ببطء، كنت أخشى تلك اللحظة التي أعلم يقينًا أنها آتية..لحظة الرحيل، لكن القلب بطبيعته يؤجل التصديق، كما أنه لا يقرأ ما يعرفه العقل.
وفي يوم من الأيام رحلت.. رحلت أمي، ساد الصمت، ورحل معها شيء لا يعود، وشعرت أن جزءاً من روحي يُدفن معها، وحين دُفنت أدركتُ أن الإنسان قد يفقد أشخاصاً كثيرين في حياته، لكن فقد الأم ليس فقد شخص، إنه فقد تاريخ كامل، ولغة كاملة، وفقد بابٍ كان مفتوحاً دائماً مهما ضاقت السبل، إنه فقْدُ كل شيء، بعضُ الغياب لا تشعر به بعد الرحيل، وإنما يؤلمك بعد أول لحظة تُدرك فيها أن الصوت الذي كان يملأ حياتك وروحك لن يعود..! ألن يعود حقاً..!
مضت الآن ثمانية أعوام تقريباً على وفاتها، لكن الزمن لم ينجح في تحويلها إلى ذكرى، هناك أشخاص يغيبون عن الحياة، لكنهم يبقون أحياء في أعماقنا، وأمي واحدة من هؤلاء، ما زلت أسمع صوتها في كل المواقف، وأرى ملامحها في تفاصيل كثيرة، وأشعر بدعائها يرافقني في محطات العمر، فقدت أبي وأنا طفل صغير، فعشت اليتم المبكر، ثم فقدت أمي وأنا رجل تجاوز منتصف العمر، وبين الموتتين عشتُ قصة كاملة من الصبر والكفاح والوفاء، قصة بدأت باليتم وانتهت بالامتنان..عرفت أن الإنسان قد يشيخ، لكنه لا يكبر على فَقْد أمّه أبداً.
اليوم.. وأنا أنظر إلى رحلة العمر الطويلة، أدركتُ أن أعظم ما ورثته من والدي ليس مالًا، وأعظم ما أخذته من أمي ليس طعاماً أو لباساً، لقد ورثت منهما معنى الصبر، وتعلمت منهما أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، وإنما بما يصنع من الظروف التي يمر بها، وأدركتُ أن أعظم الأوطان ربما لا تكون أرضاً نسكنها، بل أماً سكنت قلوبنا ثم رحلت، وبقيت أرواحنا تسكن عندها إلى آخر العمر، مؤلمٌ أن تعيش فراغاً روحياً، لأنك لم تجد من يملؤه بعد فقد من تُحب، وما أقسى أن تشتاق إلى إنسان تعلم يقيناً أنه لن يعود، وأن كل السبل إليه مغلقة.
رحلت أمي لست أدري..كل ما أدريه أني اليوم بتُ ظلاً دون روح، وصرت أطلالاً لوجه غشاه صمت لحوح، سأبكيها وأعلم أن بفقدها سيطول ليلي..!