د.عوض بن إبراهيم ابن عقل العنزي
تتعدد أنشطة السيرةُ الذاتية بين نشاط ذهنيٍّ وآخر عمليٍّ وثالث لغويٍّ، يرعاها الكاتب ليتحقق من خلالها أقطاب الحياة: الفكر والفعل والاختيار، وهذا النوع الأدبي يكشف حياة إنسانٍ هو واقع الكتابة السيرية وقصتها، وهو نشاطها الساكن الذي تعيدُ له اللغة حرارته فينبعثُ كأنّه تجربتنا التي يرويها غيرنا عن نفسه. (أدب السيرة الذاتية، عبد العزيز شرف: ص1-2)
وهذا الفنٌّ يكتب فيه صاحبُه نفسَه، فيتمثّل النشاطُ اللغويُّ سلوكًا بشريًّا يصوّر أبعاد كاتبها الثلاثة: الداخل والخارج والأعلى -كما يقول عبد العزيز شرف- ويتحقق من ذلك أمران مهمان، هما: التوافق والاتّزان.
والسيرة الذاتية ثمرة خلوة مع النفس لكنها ثمرة نبتت في شجرة تعصفُ بها أحداث تربك أمنها واطمئنانها، ومما يشار له هنا أنّ طه حسين كتب سيرته الذاتية (الأيام) كان -كما يخال عبد العزيز شرف- مدفوعًا للبحث عن دفء الموقد الباطني «بسبب المحنة التي تعرّض لها بعد نشر كتابه (في الشعر الجاهلي) … وكأنها [أي سيرة الأيام] استجابة شرطية للمحنة التي مرّ بها مؤلفها بسبب رأيه في انتحال الشعر الجاهلي، وكأنها -أيضًا- استجابة فكريّة شرطيّة لأثر (الخارج) على (الداخل)» (عبد العزيز شرف: ص9)، وبهذه الاستجابة الفكرية انفتح طه حسين على سيرة العلم الذي تربّى فيه: مناهجه، وحلقاتِه، وصراع القديم فيه والجديد.
ويظهر في (الأيام) لطه حسين أنها مسَّتْ جانبًا في سيرة العلم مهمًّا وهو أنها لم تكن ترجمةَ رجلٍ فحسب، بل كانت مرآةً لمؤسسةٍ علمية -الأزهر- في لحظةِ تحوّل، وشهادةً -أيضًا- على طبيعة انتقال المناهج الدرسيّة من جيلٍ إلى جيل، ومن حلقةٍ إلى حلقة، وبهذا صار في (الأيام) جانب توثيقي مهم لا يستغني عنه من يتتبّع حياةَ الأفكار في الأفراد والمؤسسات، ومن أخصب ما تحفظه (الأيام) من ذلك صورةُ تحوّلٍ في تلقّي علم البلاغة، تحوّل حدث من أجله صراع بين من يذهب بالبلاغة إلى أنها علم ذو قواعد لا ينكشف إلا بالتعليل، وآخر يذهب بالبلاغة إلى أنها ذوق يُربَّى بالقواعد ليتجاوز إلى بناء رهافة الحس وتطريته.
وبالنظر في (الأيام) نجدها تنطوي على مسيرة نموٍّ ونماء، ففي شقّ النمو نتابع سيرةَ رجلٍ كفيف، وفي شقّ النماء نقرأ وثيقةً لحياة فكرةٍ تروي طريقة تنزيل النظرية البلاغيّة (النظم) من بطون الكتب إلى مجالس الدرس، ومن التقعيد إلى التذوّق.
ومن أبدع ما تحفظه تلك (الأيام) صورةُ الفتى الذي يتعلّم على (الشيخ سيّد المرصفيّ) أنْ يقف في تذوّق الجمال والأدب «الذي يدرس على نحو ما كان الشيخ المرصفيّ يدرّسه لتلاميذه حين كان يفسر لهم الحماسة أو يفسر لهم الكامل بعد ذلك. نقد حر للشاعر أولا، وللراوي ثانيًا، وللشرح بعد ذلك، وللغويين على اختلافهم بعد أولئك وهؤلاء، ثم امتحان للذوق ورياضة له على تعرف باطن الجمال فى الشعر أو النثر، فى المعنى جملة وتفصيلا، وفى الوزن والقافية وفى مكان الكلمة بين أخواتها. ثم اختبار للذوق الحديث فى هذه البيئة التى كان يلقى فيها الدرس، وموازنة بين غلظة الذوق الأزهريّ ورقة الذوق القديم، وبين كلال العقل الأزهريّ ونفاذ العقل القديم، وانتهاء من هذا كله إلى تحطيم القيود الأزهرية جملة». (الأيام: 2 / 285)
ومما يعنينا هنا قوله: «التعرف على باطن الجمال… في مكان الكلمة بين أخواتها»، إذ تأتي هذه العبارةُ في سياقٍ وصفيٍّ لرياضةٍ ذوقيةٍ تلقّاها طه حسين، هي بعينها لُبُّ ما تحدّث عنه عبد القاهر الجرجانيّ في كتابه «دلائل الإعجاز» بوصفه علمًا؛ وذلك أنّه ردَّ النظمَ إلى تعليقِ الكلِم بعضِها ببعض، فقال: «ومعلومٌ أنْ ليس النظم سوى تعليق الكَلِمِ بعضها ببعض، وجَعلِ بعضِها بسببٍ من بعض». (دلائل الإعجاز: ص3). والأمرُ الذي ذكره طه حسين عن شيخه سيّد المرصفيّ أنّه لم يكن ييشرح نظرية النظم، بل كان يربّي حاسّةً في ذلك الفتى الكفيف، والذوق الذي رباه المرصفيّ في تلميذه ثمرةٌ عمليةٌ لنظرية النظم، وهي تقوم على أنّ إدراك «مكان الكلمة بين أخواتها» ذوقًا هو عينُ إدراك «النظم» عند عبد القاهر تنظيرًا، وفي هذا السياق الذي ذكره طه حسين نجد في (الأيام) ما يشهد أنّ نظرية النظم لم تكن متنًا لقواعد النظم، بل كانت ذوقًا حيًّا يُورَّث في الحلقات.
والذوق الذي وصف ممكّناته طه حسين في تدريس المرصفيّ ذوقٌ منهجيٌّ يتضمّن مستوياتٍ عدّة؛ ففي درس (الحماسة) و(الكامل للمبرّد) الذي حضره الفتى يظهر أنّ نقد الشيخ سيّد المرصفيّ كان نقدًا حرًّا متدرّجًا «للشاعر أوّلًا، وللراوي ثانيًا، وللشرح بعد ذلك، وللغويين على اختلافهم» (الأيام 2/285)
وهذا منهج نقديّ؛ تبدأ فيه القراءة النقدية بالمتن ثم تتّسع للنظر والتأمّل فيما يحفُّ المتنَ من وسائط، مقدِّمًا الحديثَ عن الشاعرِ على الحديث عن رواة المتن وشُرّاحه، ويجعل ذلك التأمّل والتدبُّر فيما يحيط بالمتن خِدمةً له لا حكمًا عليه.
وبعد ذلك يأتي تمامُ المنهج في قوله: «امتحانٌ للذوق ورياضةٌ له على تعرُّف باطن الجمال في الشعر أو النثر، في المعنى جملةً وتفصيلًا، وفي الوزن والقافية، وفي مكان الكلمة بين أخواتها» (الأيام: 2/285)، ويستخلص المتأمّل في هذا الوصف أنّ طريق إدراك الجمال في الأدب يحصل بأمرين: تذوّق المعنى وامتحانه، والآخر نظمٌ يمكن الوقوف على أثره في اختيار الموضع ومجاورة الكلمة لصاحبتها.
وهذا الطريقُ لإدراك الجمال يقف فيه المتأمّلُ لِما يسرده طه حسين في (الأيام) على رياضةٍ تُوقظ الحاسّة على إدراك الجمال والتلذّذ به، وهي تقف بإزاء المنهج الأزهريّ في تدريس البلاغة القائم على (شروح التلخيص)، وفيه يوأدُ النصَّ بالتعليل، ويُثقل المتعلّمَ بمنطقيات الاستدلال، حتى إذا أدرك منهما ما أدرك انتهى إلى أن يكون صفرًا من الذوق والشعور بالجمال، «فانصرف.. ثائرًا محزونًا، وقد أعرض عن دروس البلاغة وأنفق بقية عامه يخرج من درس القشور إذا كان الظهر فيمضي إلى دار الكتب… فيمكث فيها إلى أن يحين إغلاقها قبيل الغروب». (الأيام: 2/ 202 – 203)
ولم تكن هذه العودةُ إلى عبد القاهر الجرجانيّ بدعةً انفرد بها المرصفيُّ في حلقته، بل كانت تيّارًا أوسعَ أحيا «دلائل الإعجاز» في مدرسة الإصلاح كلِّها، فطه حسين يحدّثنا أنّ الأستاذ محمد عبده كان يُلقي «درس المساء… في كتاب دلائل الإعجاز» أيّامًا، وفي تفسير القرآن أيّامًا (الأيام 1/156)؛ يقرؤه علمًا يُدرَّس ويُجادَل فيه ويُستعاد.
وهنا تتبيّن القناتان اللتان أحيتا علم الشيخ عبد القاهر الجرجانيَّ معًا في تلك البيئة: قناةُ الأستاذ محمد عبده التي تُحيي دراسة وقراءة كتاب دلائل الإعجاز بوصفه كتاب علمٍ يُقرأ في حلقة الدرس، وقناةُ المرصفيّ التي تُحيي معنى دراسة علم الشيخ عبد القاهر الجرجاني ذوقًا يُربَّى عليه التلميذ في تذوّق الشعر والنثر، وبين الإحياءين نسبٌ خفيٌّ؛ فالمتنُ الذي يشرحه الأستاذ محمد عبده تعليلًا هو الحسُّ الذي يوقظه المرصفيُّ تطبيقًا؛ وكأنّما انقسمت نظريةُ النظم في مدرسة الإصلاح قناتين تجمعان النظر والتذوّق.
ولا يعني ما سبق أنّ علم الشيخ عبد القاهر الجرجاني لم يكن معروفًا، بل إنّ الذي يظهر أنه قد حدث فصل في المنهج وليس في المادّيّة العلميّة، وذلك أنّ مبدأ من مبادئ نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجانيَّ نفسه قد ورد في الحلقات التي حضرها الفتى، فقد سمع طه حسين شيخَه في درس كتاب «التلخيص» يفسّر الجملة المشهورة «ولكل كلمةٍ مع صاحبتها مقام» (الأيام 2/200)، وحولها مما في «المختصر»، و«المطوّل»، و«الأطول» وحواشيها كلامٌ كثير، ويرى -على لسان الفتى- أنها «واضحةٌ جليّةٌ لا تعمية فيها ولا غموض»؛ فإذا هذه الجملة الواضحة قد دُفِنت تحت ركامٍ من التعليل، وعندما ناقش الفتى شيخه بيّن له أن ما يناقشه فيه هو بسبب علم القشور الذي يحضره في دروس الأدب، ودعا الشيخُ تلميذَه أن يدع الأدبَ و«الكامل» للمبرّد؛ لأنهما قشور، واللُّبابُ هو الذي في الحواشي.
ولم يكن هذا الشيخ وحدَه فيما فعل، بل إنّ شيخًا آخر ردَّه عن درس البلاغة حين جادله الفتى في تعليل تنكير «الرضوان» في قول الله تعالى: {ورضوانٌ من الله أكبر}، وزجره بأنّ ذلك بسبب «القشور الضالّة المضلّة» (2/202)؛ وبذا اتفق الشيخان على ازدراء علم الأدب الذي يربّي الذوقَ وإعلاء علم الحواشي الذي يقوم على مسائل علم الكلام والمنطق وتشقيقات فلسفيّة وتعليلات عقلية حتى إنّ القارئ ليشعرُ أنّ الأمر منهجٌ في بيئة التعليم الأزهريّة لا طريقة شيخٍ واحد.
وليست الصلةُ بين ذوق المرصفيّ ونظرية النظم استنباطًا من بعيد، بل إنّ طه حسين قد صرّح بها تصريحًا حين وصف العصبةَ التي التفّت حول المرصفيّ، وذكر أنهم جعلوا «يجهرون بقراءة الكتب القديمة وتفضيلها على الكتب الأزهرية… يقرؤون كتاب سيبويه أو كتاب المفصّل في النحو، ويقرؤون كتابَي عبد القاهر الجرجاني في البلاغة» (الأيام 2/289).
وهنا يبدو مسار آخر يشير إلى أنّ كتابي عبد القاهر الجرجاني يُقرآن جهرًا ويُفضَّلان على البلاغة الأزهريّة المدرسيّة؛ وليست العودةُ إلى عبد القاهر نزعةً مستترةً تُستنبط من سياق وصفيّ، بل إنه أشبه ما تكون براية رفعتْ لتتجاوز شروح التلخيص وحواشيه.
وبهذا ينتظم للمتأمّل أنّ الـذوقَ الذي ربّاه المرصفيُّ وسقاه بـ «مكان الكلمة بين أخواتها»، يَصدُر عن أصلٍ يقرؤه أصحابُه في كتابَي عبد القاهر الجرجاني، على أنّه ينبغي ألّا نرفع هذه العصبة التي ذكرها طه حسين فوق ما تستحقّ؛ إذ إنَّ حرّيتها التي أطلقها الذوقُ انزلقت -أحيانًا- إلى الإسراف فجهروا بإنشاد (شعر المجون) في الأزهر فأغاضوا بغير حق (2/289) ولو أنه كان في حراكهم قبسٌ من إحياء العيون، لكنه لم يسلم من شَطَط تفلّت الفتوّة، وتلك سنّةُ كلِّ فكرة وهميّة تقوم على مبدأ (الثورة على التقليد)، تحصيلًا لمنفعة متوهمةٍ تحمل صوابَها وخطأها معًا.
وإذا جمعنا أطرافَ القول، وانتهينا إلى قُنْعَانِ الأمر، تبيّن أنّ (الأيام) تحفظ -في صورة فتًى يتعلّم على شيخه- شهادةً على حياة فكرةٍ عمرُها قرون تقول: إنّ نظرية النظم لم تطو في صحف دلائل الإعجاز، بل ظلّت تضيء في حلقات التدريس في الأزهر قبل مقدم (محمد عبده)، ولكنها بعد قدومه صارت تُقرأ علمًا عند الأستاذ، وتُربَّى ذوقًا عند المرصفيّ، ويُجهَر بأصلها في كتابَي عبد القاهر تفضيلًا على شروح التلخيص التي كانت منهجًا درسيًّا في الأزهر لا يناقش ولا يراجع ولا يقاس أثره.
وما «مكان الكلمة بين أخواتها» إلّا الوجه الحسّيّ لِما قعّده عبد القاهر الجرجاني علمًا حين ردَّ المزيّة إلى التعليق والترتيب التي هي معاني النحو وأحكامه؛ فالمرصفيُّ لم يُحدِث جديدًا، بل أنزل النظريّةَ من مقامات التقعيد إلى مقام الرياضة والدربة التي توقظ الحس والشعور، وفي هذا دلالةٌ تتجاوز ما طرحه طه حسين عن الفتى وشيخه إلى سؤالٍ قائمٍ اليوم: هل يصنع تدريسُ الكتب التي تربّي الذوق عالِمـًا منهجيًّا؟
إنّ تجربة المرصفيّ تُجيب بأنّ الذوق حين يُرَبَّى على أصلٍ نظريٍّ محكَم لا يبقى انطباعًا مرسلًا، بل يستحيل ملكةً نقديّةً مقعَّدة؛ وأنّ الفصل بين علمٍ يقوم على الجمع والإحكام والتقعيد، وذوقٍ ينمي بالرياضة والدّّربة والملاحظة والتتبع لنصوص الأدب فصلٌ متوهَّم، فالنظمُ عند عبد القاهر الجرجانيّ اسمٌ للحاسّة حين تُحكِمها القاعدة، وللقاعدة حين تُذيبها الحاسّة، وإذا صحّ هذا في أمسِ المرصفيّ وتلميذه فهو في أملِ اليوم أمكنُ وأحوج بأن تفتح قلوب وعقول التلاميذ على كتب الأدب في حلقات التدريس حتى ينمي فيهم ذوقٌ لا يكتملُ إلا بما يتعلمونه في كتب التقعيد والتأصيل.
** **
- جامعة الحدود الشمالية