العنود بنت مسيب الفقيري العنزي
تقدّم (رسائل غسان كنفاني لغادة السمان) ميدانًا غنيًا لدراسة تمثّلات الأنا والآخر داخل جنس الرسالة بوصفه خطابًا يجمع بين البوح الذاتي والتمثيل السردي، فالرسائل لا تُقرأ بوصفها وثائق شخصية فحسب، بل بوصفها نصوصًا أدبية تتقاطع فيها عناصر السيرة الذاتية مع تقنيات التعبير الفني، مما يجعل تشكيل الهوية عملية متحركة تُستعاد عبر اللغة وتُعاد صياغتها في فضاء العلاقة مع الآخر.
في هذا السياق تتبدى الأنا عند غسان كنفاني باعتبارها ذاتًا منكسرة ومتصدعة تخشى الفقد لأنها وقعت به بفقدان الوطن، تعيش توترًا دائمًا بين وجودها الفردي وموقعها العام، فالأنا في الرسائل ليست مستقرة أو مكتملة، بل مشروخة بين حساسيتها العاطفية وقسوة واقعها السياسي؛ إذ تَظهر كذاتٍ تبحث عن ملاذ حميمي يُخفّف عنها وطأة العالم الذي يحيط بها، ولهذا تتجه الأنا إلى الآخر بوصفه ضرورة وجودية، لا مجرد مخاطَب رسائلي، تتجلى هذه الهشاشة من خلال لغة تقوم على الإيحاء، والتكرار، واستدعاء الذاكرة، مما يمنح الرسائل عمقًا نفسيًا يجعل الأنا أقرب إلى حالة افصاح داخلي يلامس حدود الاعتراف.
أما الآخر في الرسائل فيتخذ -من حيث البنية- شكلًا مزدوجًا، فالآخر المباشر وهو غادة السمان التي تُعَدّ في الوعي النصّي مركزًا تستند إليه الأنا لتستعيد توازنها، يتحول الآخر هنا إلى مرآة عاطفية تعيد للأنا تماسكها، لكنه في الوقت نفسه جزءٌ من عملية إعادة بناء الذات، فالآخر ليس كيانًا خارجيًا بقدر ما هو فضاء تتشكل داخله الأنا وتعيد ترتيب حدودها، وفي المستوى الثاني، يُقرأ الآخر كصورة مضمَرة للعالم الخارجي، حيث يلتقي الخاص بالعام، ويصبح الواقع السياسي المحيط مقومًا ضاغطًا يحدّ من حرية الأنا وقدرتها على ممارسة عاطفتها، وهكذا تُكتب العلاقة مع الآخر داخل الرسائل بوصفها صراعًا بين الاستجابة للعاطفة وبين الحضور القسري للظرف التاريخي.
تستند الرسائل كذلك إلى بنية تناصّية داخلية تتجاوز ظاهر الخطاب العاطفي، إذ تستعير الأنا أحيانًا لغة السرد وتوظيف اللقطة والمشهد، ما يمنح الرسائل طابعًا شبه روائي، ويؤكد أن الأنا ليست حالة فطرية بل تمثيل نصّي يتشكل عبر تقنيات لغوية، ومن خلال هذه التداخلات يصبح الآخر جزءًا من بناء السرد الداخلي، لا مجرد مستقبِل للخطاب، وبذلك تتحول الرسائل إلى مجال يُعاد فيه تشكيل الهوية وفق رؤية تدمج بين التوتر العاطفي والوعي الفني.
إنّ قراءة الأنا والآخر في (رسائل غسان كنفاني لغادة السمان) تكشف أن الكتاب ليس مجموعة اعترافات عابرة، بل هو فضاء نصي تتجلى فيه الذات عبر لغة تبحث عن توازن بين الضعف والقوة، وبين الحب والالتزام، وبين حاجة الأنا للآخر ورغبتها في صون استقلاليتها، ومن هذا المنظور، تُعدّ الرسائل نصًا أدبيًا مكثفًا يعيد إنتاج العلاقة الإنسانية داخل معمار لغوي مُحكم، حيث يُصبح الآخر عنصرًا تأسيسيًا في بناء الأنا، ويتحول الخطاب العاطفي ذاته إلى ممارسة جمالية تعيد صياغة الحدود بين الداخل والخارج.
تشكلات الآخر في (رسائل غسان كنفاني لغادة السمان)
تُعدّ رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان نصًا مركزيًا في قراءة البنية الداخلية للذات الفلسطينية كما تتجلى في سياق التجربة الذاتية والعاطفية والسياسية، وهي رسائل تتجاوز إطارها التواصلي المباشر لتفتح مجالًا واسعًا لدرس الآخر بوصفه عنصرًا بنائيًا في إنتاج الهوية، إذ يتخذ الآخر داخل هذه الرسائل صيغًا متعددة: الآخر الحميم، والآخر السياسي/ الاستعماري، والآخر الاجتماعي/ الثقافي، وتؤسس هذه الصيغ معًا شبكة دلالية تتقاطع فيها الأبعاد الذاتية والوجودية مع الهمّ الوطني والنقد الاجتماعي، ويمثل تحليل تشكّلات الآخر في هذه الرسائل مدخلًا مهمًا لفهم كيفية تشكّل الذات تحت وطأة الحب والمنفى والمقاومة والاغتراب.
الآخر العاطفي
يشكّل الآخر العاطفي أحد أبرز مكونات الخطاب الرسائلي عند كنفاني، فغادة السمان ليست مخاطَبًا عاديًا، بل تُصاغ داخل الرسائل كبنية «مُكوّنة» للذات وليست «مقابِلة» لها فقط وتظهر هذه العلاقة في مستويات عدة:
- تحول الآخر الحميم إلى مرآة تكشف هشاشة الذات، مخاوفها، قلقها، وطاقتها الوجدانية.
- حضور غادة في ذهن الكاتب كصورة متخيلة تستدعي انقسام الذات بين واقعها السياسي ومساحتها الوجدانية.
- انفتاح الرسائل على خطاب اعترافي يضاهي أدب الاعترافات، بما يحمله من مكاشفات ذاتية عميقة.
الآخر السياسي
يمثل الآخر السياسي في (رسائل غسان كنفاني لغادة السمان) بنية مركزية تفرض حضورها على الوعي السردي وتعيد صياغة التجربة العاطفية ضمن سياق وجودي محكوم بالمنفى والمقاومة، فالاحتلال الإسرائيلي لا يظهر في الرسائل كحدث خارجي، بل كآخر قسري يتداخل مع كل لحظة من لحظات الذات؛ إنه الآخر الذي يُصادر الجغرافيا ويهدد الهوية، فيتحول إلى قوة رمزية تحدد سلّم الأولويات في حياة الكاتب، ويتجلّى هذا الآخر السياسي في تمزق الوعي بين رغبة الفرد في الحب وتوقه إلى الحياة الطبيعية، وبين التزامه الأخلاقي والوطني تجاه قضيته، وهذا التوتر يُنتج خطابًا رسائليًا مضاعفًا: خطابًا عاطفيًا موجّهًا إلى غادة، وخطابًا مضمرًا موجّهًا إلى الوطن بوصفه الحضور الغائب.
ومن خلال هذا التوتر يظهر الاحتلال كآخر لا يتيح للذات أن تكون كاملة، بل يفرض عليها أن تتشكل باستمرار تحت ضغط المنفى والذاكرة والواجب الثوري، وهكذا ينتقل الآخر السياسي من كونه خصمًا تاريخيًا إلى كونه بنية مؤسِّسة لوعي الذات الفلسطينية، تقاومه حتى داخل لحظاتها الحميمية، فيصبح الحب نفسه فعل مقاومة في وجه هذا الآخر الذي يقتحم المجال الخاص ويعيد تشكيله.
الآخر الاجتماعي
أما الآخر الاجتماعي في الرسائل فيظهر بوصفه سلطة ثقافية خفية تنظّم المجال العاطفي وتفرض على العلاقات الإنسانية ضوابط وأعرافًا تحدّ من حريتها، ويتجلى هذا الآخر في القيم الاجتماعية العربية التي تُقيِّد البوح العاطفي وتضع العلاقة بين الرجل والمرأة داخل فضاء محفوف بالرقابة الأخلاقية والتوقعات المجتمعية وفي هذا السياق، تتبدى الذات الرسائليّة عند كنفاني كذات تخوض صراعًا مزدوجًا: فهي من جهة تسعى إلى تحقيق تواصل إنساني حرّ مع الآخر الحميم الممثل بغادة، ومن جهة أخرى تشعر بثقل المعايير الاجتماعية التي تمارس عليها نوعًا من الإخضاع الرمزي (العادات والتقاليد الاجتماعية)، ويُظهر هذا الصراع كيف يتحول المجتمع ذاته إلى آخر يراقب أفعال الذات ويحدّد حدود خطابها، فيضطر الكاتب إلى تبرير مشاعره أو إضفاء طابع عقلاني عليها أحيانًا حتى لا تبدو نشازًا عن المتوقّع اجتماعيًا، وبذلك يصبح الآخر الاجتماعي ليس مجرد خلفية ثقافية، بل فاعلًا مؤثرًا يساهم في إعادة تشكيل الوعي العاطفي للذات، ويكشف عن العلاقة المعقّدة بين الفرد وبين المجتمع، حيث تتقاطع الرغبات الشخصية مع منظومة قيمية واسعة تحكم سلوك الأفراد وتعيد إنتاج أنماط العلاقة بينهم.
تمثل (رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان) فضاءً أدبيًا خصبًا لدراسة مفهوم الآخر لما تحمله من كثافة نفسية ووجودية وسياسية، ففي هذه الرسائل لا يُنظر إلى الآخر بوصفه حضورًا خارجيًا فحسب، بل كعنصر بنائي يشارك في تشكيل وعي الذات وإعادة إنتاج هويتها، ويتجلى الآخر الحميم ممثلًا في غادة السمان بوصفه مرآة تكشف هشاشة الذات ومكاشفاتها الداخلية، حيث تتحول إلى محرّك للخطاب الاعترافي الذي يختبر عبره الكاتب توتراته العاطفية والوجودية.
في المقابل، يظهر الآخر السياسي متمثلًا في الاحتلال والمنفى بوصفهما سياقًا ضاغطًا يعيد تشكيل الوعي الوطني للكاتب، ويجعل العلاقة العاطفية مشدودة دومًا إلى سؤال الالتزام، وهكذا يتداخل خطاب الحب مع خطاب المقاومة ليشكلا معًا بنية معرفية واحدة لا يمكن فصلها
أما الآخر الاجتماعي فيتجسد في القيود الثقافية والأعراف التي تحكم العلاقة بين الرجل والمرأة، وتفرض على الأفراد أشكالًا متعددة من الرقابة، وهذا الآخر يمثّل سلطة غير مرئية تشكّل خطاب الكاتب وتدفعه إلى تبرير مشاعره أو الدفاع عنها.
من خلال هذه التشكلات الثلاثة، تظهر الذات الفلسطينية في الرسائل كذات مركبة، تعيش توترًا دائمًا بين الحب والمنفى، بين الرغبة والواجب، وبين الوعي الفردي والوعي الجمعي، وتكشف الرسائل بذلك عن هوية تتشكل عبر مرايا متعددة، وتجعل (الآخر) شرطًا أساسيًا لفهم الذات وموقعها داخل العالم.
وأخيرًا أقول: إنّ قراءة الأنا والآخر في (رسائل غسان كنفاني لغادة السمان) تكشف أن الكتاب ليس مجموعة اعترافات عابرة، بل فضاءً نصيًا تتجلى فيه الذات عبر لغة تبحث عن توازن بين عدة مفاهيم وجودية.
** **
- باحثة دكتوراه بقسم اللغة العربية وآدابها، تخصص أدب ونقد وبلاغة.