د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
«هو ليس غاضبًا حتى تُرضيه، بل مُدركًا فلا يعود».
ليست كل نهاية تبدأ بخصومة، ولا كل ابتعاد سببه الغضب، ولا كل صمت ينتظر اعتذارًا، ففي العلاقات الإنسانية مرحلة لا تُشبه ما قبلها، مرحلة لا يكون فيها الإنسان غاضبًا، بل يصبح مدركًا. وإذا بلغها، لم يعد الأمر متعلقًا بإرضائه، وإنما بتغيّر نظرته، وتبدّل قناعته، وسقوط الصورة التي كان يحملها في ذهنه.
كثير من الناس يظنون أن كل خلاف يمكن إصلاحه بكلمة جميلة، أو هدية، أو اعتذار، أو لقاء عابر، وهذا صحيح في كثير من المواقف التي يكون سببها سوء فهم أو انفعال لحظي، لكن هناك نوعًا آخر من الفراق، لا تصنعه لحظة غضب، وإنما تصنعه سنوات من الملاحظة، وتراكمات من الخذلان، ومواقف صغيرة لم تكن مؤلمة في ذاتها، لكنها مع الزمن كوّنت حقيقة يصعب تجاهلها.
فالإنسان لا يبتعد دائمًا لأنه غضب، بل لأنه فهم.
يفهم أن اهتمامه لم يكن متبادلًا، وأن حضوره لم يكن يعني للطرف الآخر ما يعنيه له، وأن أعذاره كانت أكثر من أعذار غيره، وأنه كان يبذل ما لا يُبذل له، ويعذر ما لا يُعذر له، ويغفر ما لو فعله غيره لما غفره، وحين تكتمل هذه الصورة، لا يحتاج إلى خصومة، لأن الإدراك وحده يكفي.
ولهذا فإن أخطر ما يغيّر العلاقات ليس الخطأ الأول، بل الحقيقة الأخيرة.
فالخطأ قد يُغتفر، والكلمة الجارحة قد تُنسى، والاعتذار الصادق قد يمحو أثر الإساءة، لكن حين يكتشف الإنسان أن ما ظنه استثناءً كان قاعدة، وما حسبه زلة كان طبعًا، وما اعتبره ظرفًا كان منهجًا، فإنه لا يعود كما كان.
وفي الغالب لا تأتي هذه المرحلة فجأة، وإنما تنضج بهدوء. تبدأ بموقف، ثم يليه آخر، ثم ثالث، حتى تتجمع التفاصيل الصغيرة لتكوّن حقيقة كبيرة، وكثيرًا ما يقال: «لا أدري متى تغير»، بينما الحقيقة أنه لم يتغير في لحظة، بل كان يتغير مع كل موقف، حتى وصل إلى مرحلة لم يعد فيها يرى العلاقة بالعين نفسها.
ومن هنا يخطئ من يظن أن المشكلة في الغضب؛ فيسارع إلى محاولة إرضاء الطرف الآخر، بينما القضية أعمق من ذلك، فالغضب شعور مؤقت، أما الإدراك فهو قناعة مستقرة. والغاضب يريد أن يشعر باهتمامك، أما المدرك فقد أصبح يرى الأمور بصورة مختلفة، ولذلك فإن الكلمات التي كانت تكفي بالأمس لم تعد تكفي اليوم.
وهذا لا يعني أن الإنسان يصبح قاسيًا أو حاقدًا، بل قد يكون أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، فقد يسلم عليك، ويحترمك، ويدعو لك، ويتمنى لك الخير، لكنه في داخله أغلق بابًا كان مفتوحًا، ليس انتقامًا، ولا رغبة في العقاب، وإنما حفاظًا على نفسه بعد أن فهم ما كان يجهله.
وأجمل العلاقات ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي لا تسمح للأخطاء أن تتحول إلى نمط، فكل إنسان يزل، وكل صديق يقصر، وكل قريب قد يخطئ، لكن العلاقة تبقى ما دام الخطأ استثناءً يعقبه اعتراف وإصلاح، أما إذا أصبح التقصير عادة، والخذلان متكررًا، والاستهانة بالمشاعر أمرًا مألوفًا، فإن الإدراك يبدأ في النمو بصمت، حتى يبلغ نهايته.
ولذلك فإن المحافظة على العلاقات لا تكون بعد وقوع الانهيار، وإنما قبل أن يصل الإنسان إلى مرحلة الإدراك، تكون بالوفاء قبل الاعتذار، وبالاهتمام قبل العتاب، وبحفظ الود قبل البحث عن وسائل إعادته.
ولعل أجمل ما في العلاقات الصادقة أنها لا تجعل أحد الطرفين يصل إلى هذه المرحلة؛ لأنها تقوم على الصراحة، والتقدير، وحسن الظن، والاعتراف بالخطأ، ومبادرة الإصلاح قبل أن تتراكم الجراح، أما العلاقات التي يعيش فيها أحد الطرفين على أمل أن الآخر «سيسامح دائمًا»، فإنه ينسى أن الصبر، -وإن طال- قد يصل إلى لحظة يتحول فيها من احتمال إلى إدراك.
ولذلك كان بعض الحكماء يقول: لا تخش غضب من يحبك، ولكن اخش هدوءه بعد أن يفهمك، فالغضب دليل بقاء الشعور، أما الإدراك فقد يكون بداية نهاية العلاقة.ولهذا فإن العبارة التي تتردد اليوم في وسائل التواصل تحمل شيئًا من الحقيقة: «هو ليس غاضبًا حتى تُرضيه، بل مُدركًا فلا يعود» لكنها تحتاج إلى فهم أعمق؛ فليس المقصود أن الإنسان لا يسامح، أو أن كل علاقة إذا أصابها الإدراك انتهت، وإنما المقصود أن بعض الحقائق إذا انكشفت، وبعض الصور إذا سقطت، وبعض القناعات إذا تبدلت، فإن العلاقة لا تعود كما كانت.ففي العلاقات، قد يعود الغاضب إذا صُدق الاعتذار، وقد يعود المخطئ إذا أصلح خطأه، لكن من أدرك حقيقةً غابت عنه طويلًا، لا يعود إلى الوهم الذي كان يعيش فيه، وليس لأنه يحمل في قلبه غضبًا، بل لأنه أصبح يرى بعينٍ لم يكن يرى بها من قبل.