نجلاء العتيبي
لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ - الآية 23، سورة الحديد.
حين يتأمَّل الإنسانُ هذه الآيةَ الكريمة يُدرك أن الطمأنينة ليست هبةً تأتي من وفرة الممتلكات، ولا من اكتمال الأُمنيات، وإنما تنبُتُ داخل القلب الذي عرف أن المقادير تجري بحكمةٍ أعظم من إدراكه، فكم من باب أُغلق بحسرةٍ، ثم انكشف مع الزمن أن النجاة كانت خلف ذلك الإغلاق، وكم من أُمنية تعلَّقت بها الروح حتى ظنَّت أن الحياة تتوقَّف عندها، فإذا بها تنقضي ويُولَد بعدها أُفُق أرحب وأصفى.
الأسى حين يتجاوز حدَّه يحول الذكرى إلى قيد يجُرُّ صاحبه إلى الوراء، فيعيش عمره أسير صورة قديمة أو فرصة ضائعة أو شخص غادر الطريق، يقلب الوقائع مرارًا، ويُعيد الحوار ذاته، ويبحث عن احتمالٍ لم يكن موجودًا أصلًا، فيستهلك أيامه داخل دائرة لا تنتهي؛ لهذا جاءت الآية لتفتح نافذة واسعة نحو الرضا، وتعلم النفس أن الفائت ليس معيار القيمة، وأن ما كُتب انصرف لحكمة يعلمها الله.
في الجهة الأخرى يقف الفرح المندفع الذي ينسى صاحبه حقيقة الدنيا، فيظنُّ أن ما بين يديه باقٍ لا يزول، فيتعلَّق بالمكاسب تعلُّقًا يورث الغفلة؛ فالإنسان يحتاج إلى السرور، فهو نعمة جميلة، غير أن الحكمة تحفظه من التحوُّل إلى غرور أو استعلاء أو شعور زائف بالسيطرة، وما يأتي اليوم قد يتغيَّر غدًا، وما يزدهر الآن قد يمُرُّ عليه فصل مختلف، فتظلُّ النفس المتزنة شاكرة دون تعلُّق يرهقها.
إن الاعتدال الذي ترسمه الآية ليس دعوةً إلى برود المشاعر، وإنما تربية للقلب حتى يبقى ثابتًا أمام تقلُّبات الحياة، يبكي إذا نزلت المصيبة، ويبتسم إذا حضرت البشارة، ثم يعود سريعًا إلى يقينه بأن لكل مرحلة غايةً، ولكل منع حكمة، ولكل عطاء مسؤولية.
من عاش بهذا الفهم خفت عنه المقارنات التي تستنزف الأرواح؛ فلم يعُد ينظر إلى أرزاق الآخرين بعين الحسرة، ولم يرفع نفسه فوق الناس إذا اتسعت عليه الدنيا؛ لأنه يعلم أن المقاييس الحقيقية لا تُختصَر في مالٍ أو منصب أو شهرة، وإنما في أثر صالح، وضمير حي، وعمل نافع يترك بصمة طيبة.
تتبدَّل الوجوه، وتتغيَّر المدن، وتغيب الأحبَّة، وتفشل مشاريع، وتُولَد بدايات جديدة من أماكن لم تخطر على البال، وعند تلك اللحظات يتبيَّن أن الاتزان ليس رفاهية فكرية، وإنما وسيلة نجاة تحفظ الروح من الانكسار حين تتعثَّر، وتحميها من الزهو حين تنجح.
كم من إنسان حمل همَّ الماضي حتى أضاع حاضره، وكم من آخر انشغل بما في يده حتى نسي شكر المنعم، فضاع عليه المعنى في الحالتينِ، أما القلب الذي يتدبَّر هذه الآية فيتعلَّم أن يمضي بخطوات هادئة، يحمل أمله، ويبذل جهده، ثم يُسلّم النتائج لله راضيًا مطمئنًّا.
وحين يسكن هذا الفهم في الداخل تصبح الخسارة درسًا يضيف خبرة، ويغدو النجاح أمانةً تستوجب التواضع، ويصبح الانتظار مساحةً للنضج، وتتحوَّل المنعطفات إلى أبواب معرفة، فلا ينهار المرء مع أول عثرة، ولا ينسى أصله مع أول مكسب.
لهذا يبقى التوازن من أعظم النعم؛ لأنه يمنح الإنسان حرية لا يملكها صاحب القلب المعلق بكل فائت أو كل مكتسب، يعيش يومه حاضرًا، يزرع الخير حيث استطاع، ويُقبل على المستقبل بثقة، مستندًا إلى يقين راسخ أن ما اختاره الله له أرحم مما كانت ستختاره رغباته لنفسه، وأن السكينة الحقيقية تبدأ عندما يتصالح المرء مع القضاء، فيهدأ وجدانه، ويصفو بصره، ثم يمضي في طريقه شاكرًا، صابرًا، ثابت الخُطى.
ضوء
اللهم لك الحمد، ولك الشكر، ولك الثناء الحسن، على ما أعطيتَ وما منعتَ.