د. يحيى جابر
لم تعد الشائعة في القرن الحادي والعشرين كما هي في القرون السابقة، مجرد معلومة غير دقيقة أو خبر مجهول المصدر، بل أصبحت واحدة من أخطر التحديات الإعلامية والاجتماعية التي تواجه الحكومات والمؤسسات والمجتمعات حول العالم، من خلال سرعتها وتلوينها وتأثيرها، ففي عصر يتجاوز فيه عدد مستخدمي الإنترنت 5.5 مليارات شخص، ويستخدم أكثر من 5 مليارات إنسان منصات التواصل الاجتماعي، باتت الشائعة قادرة على الوصول إلى ملايين المتلقين خلال ثوان معدودة، متسببة في خسائر اقتصادية واجتماعية وأمنية قد تفوق أحياناً آثار الحدث الحقيقي نفسه، بل وقد تسبب في إرباك للأمن القومي في الدول، وتشير دراسة علمية أجراها الباحثون سوروش فوسوجي وديب روي وسينان أرال في معهد ماساتشوستس للتقنية بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2018م، إلى أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الأخبار الصحيحة بما يصل إلى 6 مرات، وأن احتمالية إعادة نشرها ترتفع بنحو 70 % مقارنة بالمعلومات الموثوقة، بعد تحليل أكثر من 126 ألف قصة إخبارية تداولها نحو 3 ملايين مستخدم عبر الإنترنت خلال الفترة الممتدة من 2006 إلى 2017م، «المصدر: معهد ماساتشوستس للتقنية، الولايات المتحدة الأمريكية، 2018».
ولا تقتصر أضرار الشائعات على التضليل المعلوماتي، بل تمتد لتشكل تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي، إذ تشير تقديرات شركة تشيكيت البريطانية لإدارة المخاطر الرقمية عام 2019م، إلى أن الأخبار الكاذبة قد تتسبب بخسائر تتجاوز 78 مليار دولار سنوياً نتيجة تأثيرها في الأسواق المالية وسمعة الشركات واتخاذ قرارات استثمارية مبنية على معلومات غير دقيقة، «المصدر: شركة تشيكيت، المملكة المتحدة، 2019».
كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن انتشار المعلومات المضللة خلال جائحة كورونا أدى إلى ما وصفته بـ«الوباء المعلوماتي»، وهو تدفق هائل من المعلومات الصحيحة والخاطئة معاً، أربك الجمهور وأضعف الثقة في المصادر الرسمية وأسهم في سلوكيات صحية خاطئة لدى بعض الفئات، «المصدر: منظمة الصحة العالمية، جنيف، سويسرا، 2020».
وتزداد خطورة الشائعة لأنها تستغل الطبيعة النفسية للإنسان، إذ يميل الدماغ البشري إلى تصديق المعلومات المثيرة وغير المتوقعة والغامضة والشعوبية ومشاركتها، وقد أثبتت دراسة علمية منشورة في مجلة العلوم التابعة للجمعية الأمريكية لتقدم العلوم عام 2018م، أن الأخبار الكاذبة المتعلقة بالأزمات والسياسة والكوارث تحقق معدلات انتشار أعلى من الأخبار الصحيحة في معظم الحالات، بسبب تفاعلها العاطفي القوي مع الجمهور مقارنة بالمحتوى المتوازن، «المصدر: مجلة العلوم، الولايات المتحدة الأمريكية، 2018م».
وفي دراسة محورية أجراها معهد ماساتشوستس للتقنية عام 2018، تبين أن الأخبار الكاذبة تنتشر بسرعة تفوق الأخبار الصحيحة بنحو 6 مرات، وأنها تصل إلى جمهور أوسع وبعمق انتشار أكبر داخل الشبكات الاجتماعية، جاء ذلك بعد تحليل 126 ألف قصة إخبارية عبر منصة إكس بمشاركة نحو 3 ملايين مستخدم، «المصدر: معهد ماساتشوستس للتقنية، الولايات المتحدة الأمريكية، 2018».
وهنا نتساءل لماذا تنتشر الشائعات بهذه السرعة؟
يرى خبراء الإعلام أن السبب الأول يتمثل في «الفراغ المعلوماتي»، حيث يؤدي غياب المعلومات الرسمية أو تأخرها في الأزمات إلى خلق بيئة خصبة لانتشار الروايات غير الموثوقة، فكلما زادت الحاجة إلى المعلومة ولم تُلبَّ بشكل سريع ودقيق، ازداد اعتماد الجمهور على مصادر غير رسمية، وساهم في انتشار الشائعات المضللة بقصد أو بدون قصد.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن هذا الفراغ المعلوماتي خلال الأزمات يتحول إلى بيئة مثالية لانتشار التضليل، وهو ما وصفته بظاهرة «الوباء المعلوماتي» الذي يرافق الأوبئة الصحية، «المصدر: منظمة الصحة العالمية، جنيف، سويسرا، 2020م».
كما تلعب العوامل النفسية دوراً محورياً في انتشار الشائعات، إذ يميل الإنسان بطبيعته إلى مشاركة الأخبار التي تثير الخوف أو الدهشة أو الغضب، أو الغموض، أو الحساسة، أو الشعوبية، وغيرها بهدف مقصود للتضليل وإحداث فوضى، أو بغير قصد بسبب الجهل بحساسية مثل هذه المواضيع من خلال بث الشائعات والمعلومات المغلوطة، وكلما زاد المحتوى العاطفي في الرسالة زادت احتمالية انتشارها، حتى وإن كانت غير صحيحة.
وتؤكد أبحاث علمية أن البشر أنفسهم هم المحرك الأساسي لانتشار الأخبار الكاذبة، وليس فقط الحسابات الآلية، لأنهم يتفاعلون مع المحتوى بناءً على الانفعال وليس التحقق، والتدقيق في المصادر الرسمية، «المصدر: سينان أرال وديب روي وسوروش فوسوجي، معهد ماساتشوستس للتقنية، الولايات المتحدة الأمريكية، 2018م».
وتلعب التكنولوجيا في تسريع غير مسبوق لانتشار الشائعة فقد أحدثت الثورة الرقمية تحولاً جذرياً في طبيعة انتشار المعلومات، حيث أصبح كل مستخدم منصة إعلامية مستقلة، وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 5 مليارات مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي حول العالم، ما يعني أن أي معلومة يمكن أن تتحول إلى محتوى عالمي خلال ثوان أو دقائق.
وتضيف الخوارزميات الرقمية طبقة إضافية من التعقيد، إذ تمنح الأولوية للمحتوى الأكثر تفاعلاً وليس الأكثر دقة، مما يجعل الأخبار المثيرة أو الصادمة أكثر انتشاراً من الأخبار الموثوقة والمتوازنة، وتظهر الأزمات مثل الكوارث الطبيعية والأوبئة والاضطرابات الاقتصادية بيئة مثالية لتفجر الشائعات، وخلال جائحة كورونا، حلل الباحث ماتيو تشينيلي وزملاؤه ملايين التفاعلات الرقمية، ووجدوا أن انتشار المعلومات المضللة يتبع نماذج رياضية مشابهة لانتشار الفيروسات نفسها، «المصدر: المعهد الإيطالي للفيزياء المعقدة، إيطاليا، 2020م».
وفي دراسة أخرى، تم تحليل أكثر من 1.5 مليون منشور متعلق بالجائحة خلال أربعة أشهر فقط، ما يعكس حجم التضليل الهائل الذي صاحب الأزمة عالمياً، «المصدر: باحثون إيطاليون، 2020م».
وتعتبر الأمية الإعلامية الوقود الخفي للشائعات فالجهل بالإعلام وكيف تدار تلك المعلومات والشائعات، ومن يبثها وكيف تنتشر ومن المستفيد من نشر كل هذه المعلومات المغلوطة والكاذبة، كل هذا بسبب الأمية الإعلامية لمستقبل الشائعة وناشرها أن كان دون قصد.
ومن أبرز أسباب انتشار الشائعات ضعف مهارات التحقق الرقمي لدى المستخدمين، فقد أظهرت دراسات تحليلية أن الفئات الأقل وعياً إعلامياً تميل إلى إعادة نشر المحتوى المضلل أكثر من غيرها، نتيجة الاعتماد على العناوين أو المشاعر بدلاً من التحقق من المصدر،« المصدر: دراسات بيانات رقمية، الولايات المتحدة الأمريكية، 2018م».
كما أن ما يعرف بـ«التحيز التأكيدي» يجعل الأفراد أكثر ميلاً لتصديق المعلومات التي تتوافق مع آرائهم السابقة، حتى وإن كانت غير صحيحة، وهو ما يضاعف من انتشار الشائعات داخل المجتمعات الرقمية.
ولا تتوقف آثار الشائعات عند حدود الإعلام، بل تمتد لتشمل الاقتصاد والأمن والاستقرار الاجتماعي، فقد تؤدي شائعة واحدة في الأسواق المالية إلى خسائر ضخمة نتيجة قرارات بيع أو شراء مبنية على معلومات غير دقيقة، وتشير تقارير إدارة المخاطر الرقمية في المملكة المتحدة إلى أن التكلفة الاقتصادية العالمية للمعلومات المضللة قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، «المصدر: تقارير إدارة المخاطر الرقمية، المملكة المتحدة، 2019».
كما أن الشائعات الصحية قد تؤثر في سلوك الأفراد، مثل رفض اللقاحات أو اتباع ممارسات غير علمية، بينما تؤدي الشائعات الأمنية إلى خلق حالة من القلق وفقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية والخوف والقلق.
ونتساءل كيف يمكن للإعلام مكافحة الشائعات؟
يؤكد الخبراء أن الإعلام المهني يمثل خط الدفاع الأول ضد الشائعات، لكن فعاليته تعتمد على عدة عناصر رئيسية:
أولاً: السرعة في نشر المعلومات الدقيقة قبل أن تملأ الشائعة الفراغ وباحترافية، يشرف عليها متخصصون في الإعلام وممارسون له.
ثانياً: الشفافية الكاملة مع الجمهور لبناء الثقة وتقليل الشكوك.
ثالثاً: إنشاء وحدات متخصصة للتحقق من الأخبار ورصد المحتوى المضلل.
رابعاً: استخدام البيانات والوسائط التوضيحية لتبسيط المعلومات المعقدة.
خامساً: التواجد الفعال في المنصات الرقمية التي تنتشر فيها الشائعات.
وقد تعاونت منظمة الصحة العالمية مع شركات التقنية العالمية خلال جائحة كورونا لتقليل انتشار المعلومات المضللة وتوجيه المستخدمين إلى المصادر الرسمية المعتمدة، «المصدر: منظمة الصحة العالمية، جنيف، سويسرا، 2020».
ومن الضروري عمل التوعية المجتمعية لرسم الحل طويل المدى، من خلال تفعيل دور المؤسسات الصحفية الرسمية والوزارات والجهات ذات العلاقة والتعليم والجامعات ولجان التنمية الاجتماعية وغيرها لبث التوعية بالإعلام وكيف تدار الرسالة الإعلامية والشائعات وانتشارها وطرقها في التضليل سواء عبر وسيلة رسمية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها، وبشكل دائم على مدار العام، وبطرق علمية مهنية.
وتشير التجارب الدولية إلى أن مكافحة الشائعات لا تنجح بالرد الإعلامي فقط، بل عبر بناء وعي مجتمعي مستدام، ففي فنلندا، تم إدراج التربية الإعلامية والتفكير النقدي ضمن المناهج التعليمية، ما ساهم في رفع قدرة الطلاب على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة.
وتوصي المؤسسات الدولية بتطبيق 5 خطوات قبل إعادة نشر أي معلومة وهي: التحقق من المصدر، مراجعة تاريخ النشر، التأكد من الجهة الرسمية، مقارنة أكثر من مصدر، وقراءة المحتوى كاملاً.
أخيراً:
تكشف الدراسات العلمية أن الشائعات لا تنتشر لأنها أقوى من الحقيقة، بل لأنها أسرع وأكثر إثارة، وقد أثبتت الأبحاث أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع بنحو 6 مرات من الأخبار الصحيحة، ما يجعل مواجهتها تتطلب استراتيجية متكاملة تجمع بين الإعلام المهني، والشفافية المؤسسية، والتوعية المجتمعية، وتعاون المؤسسات المجتمعية بالتوعية المستمرة بهذا الشأن الهام، والتفكير النقدي، وفي عصر التدفق المعلوماتي الهائل، تصبح الحقيقة بحاجة إلى سرعة لا تقل عن سرعة الشائعة نفسها، بل أن أسبقها بخطوة، حتى لا تبقى دائماً متأخرة خطوة في سباق الوعي العام، وتبقى المسؤولية عامة وليست خاصة.