صبحي شبانة
في منطقة الشرق الأوسط، لا تحتاج الجغرافيا إلى كثير من الجهد كي تتحول إلى سياسة، ولا تحتاج السياسة إلى وقت طويل كي تتحول إلى أزمة، بعض المناطق كتب عليها التاريخ أن تبقى في قلب العاصفة، وأن تتحمل عبء موقعها الاستثنائي، ومضيق هرمز واحد من هذه الأماكن القليلة التي تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح جزءاً من معادلات القوة والأمن والاقتصاد العالمي، فكلما اشتعلت المنطقة أو اقتربت من حافة مواجهة كبرى عاد اسم هرمز إلى الواجهة، وكأن العالم بأسره يراقب شريطاً مائياً ضيقاً لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، لكنه يحمل فوق مياهه جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية، ويختزن في أعماقه أسئلة تتجاوز النفط والغاز إلى مستقبل الأمن الإقليمي كله.
خلال العقود الماضية اعتادت إيران أن تتحدث عن مضيق هرمز باعتباره أحد أوراقها الإستراتيجية الكبرى، وأن تلوّح بين الحين والآخر بإمكانية إغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه كلما تصاعد التوتر بينها وبين الولايات المتحدة أو بعض القوى الغربية. غير أن الأحداث الأخيرة أعادت طرح سؤال جوهري: لمن ينتمي هرمز سياسياً وإستراتيجياً؟ وهل يحق لطرف واحد أن يحتكر الحديث عنه أو أن يتعامل معه باعتباره ملكية سياسية خاصة؟، الحقيقة أن مضيق هرمز ظل عبر القرون جزءاً أصيلاً من المجال البحري للخليج العربي، وشاهداً على تعاقب دول وقوى وتجارات وثقافات متعددة، الأمر الذي يجعل مستقبله أكبر من أن يُختزل في حسابات دولة واحدة، وأوسع من أن يُفصل عن المصالح المشروعة لجميع الدول الخليجية المطلة على هذا الممر الحيوي، وقبل أن تصبح المنطقة ساحة للتنافس الدولي والصراعات الجيوسياسية، كانت مياه الخليج فضاءً مفتوحاً للحركة والتجارة والتواصل بين شعوب المنطقة، ومعبراً للقوافل البحرية التي ربطت بين الشرق والغرب على مدى قرون طويلة، ولم يكن هرمز مجرد ممر مائي تعبره السفن، بل كان نقطة التقاء للحضارات والأسواق والموانئ، وجزءاً مهماً من تاريخ المنطقة الاقتصادي والثقافي، بما يجعله إرثاً جغرافياً وتاريخياً مشتركاً لا يمكن احتكاره سياسياً أو التعامل معه بمنطق الهيمنة المنفردة.
مضيق هرمز ليس اسماً طارئاً على الذاكرة العربية، فقد عرفت المنطقة إمارة عربية ازدهرت في العصور الوسطى تحت اسم مملكة هرمز، واستطاعت أن تؤدي دوراً مؤثراً في التجارة البحرية بين الشرق والغرب، وكانت الموانئ العربية المنتشرة على امتداد الساحل الخليجي جزءاً من شبكة تجارية واسعة ربطت الهند وشرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وبلاد فارس والعراق، لهذا السبب يبدو اختزال المضيق في بعده الإيراني فقط قراءة ناقصة للتاريخ والجغرافيا معاً، نعم إيران دولة كبرى تطل على الخليج العربي من جهته الشرقية، ولها مصالح مشروعة في أمنه واستقراره، ولا يمكن تصور أي ترتيبات أمنية مستدامة في المنطقة من دون أخذ مصالحها في الاعتبار، لكن هذا لا يلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الخليج العربي ليس بحيرة إيرانية، وأن هرمز ليس ممراً يخص دولة واحدة مهما بلغ حجمها أو نفوذها.
من هنا تبدو المفارقة واضحة، فعندما تتحدث بعض الدوائر الإيرانية عن المضيق وكأنه ورقة تفاوض ثنائية بينها وبين الولايات المتحدة، فإنها تتجاهل أن الدول العربية المطلة على الخليج هي الطرف الأكثر التصاقاً بهذه الجغرافيا والأكثر تأثراً بأي اضطراب فيها، فهذه الدول ليست مجرد مراقب لما يجري، بل هي شريك أساسي في صناعة مستقبل المنطقة وفي حماية استقرارها.
ولعل واحدة من أبرز التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين تتمثل في صعود دور دول الخليج العربية كلاعب سياسي واقتصادي واستراتيجي مؤثر، فهذه الدول لم تعد مجرد منتج للطاقة أو مجرد سوق للاستثمارات العالمية، بل أصبحت تمتلك رؤى تنموية ضخمة ومشروعات اقتصادية عابرة للحدود، كما باتت تشكل ركناً أساسياً في معادلات الاستقرار الإقليمي، ولهذا فإن أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز لا ينعكس فقط على أسعار النفط أو حركة التجارة العالمية، بل يمس بصورة مباشرة مصالح هذه الدول ومستقبل مشاريعها التنموية واستقرار مجتمعاتها، ومن هنا يصبح من الطبيعي أن تطالب بأن تكون شريكاً رئيسياً في أي نقاش يتعلق بأمن المضيق ومستقبله.
لقد أثبتت التجارب أن إدارة الأزمات في الشرق الأوسط عبر التفاهمات الثنائية غالباً ما تنتج حلولاً مؤقتة أكثر مما تنتج استقراراً دائماً، فالاتفاقات التي تعقدها القوى الكبرى فيما بينها قد تنجح في احتواء أزمة محددة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام إقليمي مستقر إذا جرى تجاهل مصالح الأطراف المحلية، وهذا ما حدث في أكثر من محطة تاريخية، فقد شهدت المنطقة اتفاقات عديدة عقدت بعيداً عن أصحاب المصلحة المباشرين، لكنها سرعان ما اصطدمت بالواقع وتعثر تنفيذها أو انهارت بالكامل، والسبب بسيط وهو أنه لا يمكن بناء أمن مستدام فوق شعور بعض الأطراف بأنها مستبعدة من صناعة القرار، ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو أهمية النقاش الجاري اليوم حول مستقبل هرمز والخليج العربي، فالمطلوب ليس مجرد منع مواجهة عسكرية جديدة أو تجنب إغلاق الممرات البحرية، بل التفكير في بناء منظومة أمن إقليمي أكثر توازناً واستدامة.
لقد تغير العالم كثيراً منذ الحرب الباردة، وتغيرت معه طبيعة التهديدات ومصادر النفوذ، ولم يعد ممكناً التعامل مع أمن البحار والممرات الاستراتيجية بعقلية الاحتكار أو الهيمنة المنفردة، فالممرات البحرية الدولية أصبحت شرايين للاقتصاد العالمي كله، وأي اضطراب فيها ينعكس على الجميع.
ويكفي أن نتذكر كيف أدت حوادث محدودة استهدفت ناقلات النفط في السنوات الماضية إلى هز الأسواق العالمية ورفع مستويات القلق لدى المستثمرين والحكومات على حد سواء، فكيف سيكون الحال إذا تحولت التهديدات إلى واقع دائم أو إلى سياسة مستمرة؟، لهذا السبب فإن حماية الملاحة في هرمز لم تعد قضية خليجية فقط، بل أصبحت قضية دولية بامتياز، غير أن البعد الدولي لا ينبغي أن يكون بديلاً عن الدور الإقليمي، بل مكملاً له، فالدول العربية المطلة على الخليج تمتلك من الخبرة والمصالح والقدرات ما يجعلها شريكاً لا غنى عنه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، ولعل السنوات الأخيرة قدمت نموذجاً مختلفاً في هذا المجال، فبدلاً من منطق المواجهة المفتوحة أو الاستقطاب الحاد، بدأت المنطقة تشهد محاولات لبناء جسور الحوار وخفض التوتر وإعادة ترتيب العلاقات على أسس أكثر واقعية، وقد لعبت دول عربية عديدة دوراً مهماً في دعم هذا التوجه، انطلاقاً من قناعة بأن الاستقرار ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة تنموية واقتصادية وأمنية.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الدور السعودي على وجه الخصوص، فالمملكة العربية السعودية، بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي وموقعها الجغرافي، كانت من أكثر الدول إدراكاً لخطورة استمرار التوترات في الخليج، ولذلك سعت خلال السنوات الأخيرة إلى دعم مسارات التهدئة والحوار، وإلى تعزيز فكرة أن أمن المنطقة يجب أن يبنى من داخلها لا أن يفرض عليها من الخارج، كما أن بقية دول مجلس التعاون الخليجي باتت تنظر إلى أمن الخليج باعتباره مشروعاً جماعياً لا يمكن فصله عن التنمية والاستثمار والاستقرار الاجتماعي، وهذه الرؤية تمثل في حد ذاتها تحولاً مهماً مقارنة بمراحل سابقة كانت فيها الحسابات الأمنية تطغى على ما عداها، السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو، هل يمكن تحويل هذه الرؤية إلى واقع دائم؟، الإجابة ليست سهلة، فالمنطقة ما زالت تواجه تحديات كبيرة، بدءاً من الملف النووي الإيراني، مروراً بالصراعات الممتدة في عدد من الدول العربية، وصولاً إلى التنافس الدولي المتزايد على النفوذ والممرات الاستراتيجية، لكن المؤكد أن تجاهل دور الدول العربية الخليجية في رسم مستقبل هرمز لن يؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة.
فالمضيق ليس مجرد ممر تعبره السفن، إنه عنوان لسؤال أكبر يتعلق بمن يملك حق المشاركة في صناعة الأمن الإقليمي، وإذا كانت إيران تملك حق الدفاع عن مصالحها المشروعة، فإن الدول العربية الخليجية تملك الحق نفسه، بل إنها تتحمل جزءاً أساسياً من تكلفة أي اضطراب يقع في هذه المنطقة الحساسة.
لذلك فإن الطريق الأكثر واقعية لا يمر عبر احتكار القرار ولا عبر منطق التهديد المتبادل، بل عبر بناء تفاهمات أوسع تعترف بمصالح جميع الأطراف وتحول الخليج من ساحة صراع إلى مساحة تعاون، ربما يكون هذا الهدف صعباً، وربما يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل السياسي والدبلوماسي، لكن البديل أكثر كلفة وخطورة، فالتاريخ يعلمنا أن الممرات البحرية التي تتحول إلى أدوات للابتزاز السياسي تصبح في النهاية مصدراً دائماً للتوتر وعدم الاستقرار، أما الممرات التي تدار بروح الشراكة والمسؤولية المشتركة فإنها تتحول إلى جسور للتنمية والازدهار، ولهذا فإن مستقبل هرمز لا ينبغي أن يقرر في العواصم البعيدة وحدها، ولا في تفاهمات ثنائية مغلقة، بل في إطار رؤية إقليمية أوسع تعترف بأن أمن الخليج مسؤولية جماعية، وأن استقرار هذا الخليج العربي لا يمكن أن يكون رهينة إرادة طرف واحد مهما كانت قوته، فمضيق هرمز لم يكن يوماً ملكاً لأحد، ولن يكون، إنه جزء من تاريخ المنطقة ومستقبلها، وجزء من الأمن العالمي أيضاً، ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس من يسيطر على المضيق، بل كيف يمكن حماية هذا الشريان الحيوي بما يخدم شعوب المنطقة والعالم معاً؟