د. غالب محمد طه
عندما اضطرت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني إلى نفي محتوى مفبرك نُسب إليها قبل فترة، لم يكن الأمر مجرد جدل سياسي عابر أو أزمة تخص شخصية عامة. ما حدث بدا لي إشارة أخرى إلى أن العالم يتحرك بوتيرة أسرع مما اعتدنا. فالمحتوى المزيف لم يعد موضوعاً نظرياً نتناقش حوله في الندوات أو التقارير المتخصصة، بل أصبح واقعاً يقتحم ملايين الشاشات خلال ساعات، تاركاً الحقيقة تحاول اللحاق به.
في الأسبوع نفسه، كنت أقرأ رسالة مقتضبة على هاتفي أرسلها صديقي عبدالله عبر الواتساب بينما أحتسي قهوتي المعتادة. كتب متسائلاً بنبرة يملؤها القلق: «تحليل عميق.. لكن ما العمل إذن؟ كيف نحمي أنفسنا من خطر هذا التزييف المتفاقم؟».
توقفت عند السؤال أكثر مما توقفت عند الرسالة نفسها. ربما لأن الحديث عن المخاطر أصبح أسهل من الحديث عن كيفية التعامل معها. وضعت الكوب جانباً، ووجدت نفسي أفكر في شيء آخر: نحن نقضي وقتاً طويلاً في وصف الطوفان، لكننا نتحدث أقل عن الطريقة التي نحافظ بها على توازننا وسطه.
ما يثير الانتباه أن كثيراً من المقاطع المفبركة لا تنتشر بسبب براعة صناعها وحدها، بل بسبب الطريقة التي نتفاعل بها معها. يظهر أمامنا مقطع صادم أو صورة تلامس مشاعرنا، فنندفع إلى المشاركة قبل أن نسأل السؤال البسيط: من أين جاء هذا المحتوى؟ وهل توجد جهة موثوقة أكدت صحته؟
ربما لهذا تبدو المشكلة أحياناً أقرب إلى طبيعة بشرية منها إلى مسألة تقنية. فالخوارزميات تستطيع أن تدفع بالمحتوى إلى واجهة المشهد، لكنها لا تستطيع أن تضغط زر المشاركة بدلاً عنا.
ولسنوات طويلة عشنا مطمئنين إلى قاعدة غير مكتوبة: أن ما نراه بأعيننا ونسمعه بآذاننا جدير بالثقة. أما اليوم، فقد أصبحت هذه القاعدة أقل صلابة مما كانت عليه. فالصورة قد تكون مركبة بالكامل، والصوت يمكن استنساخه بدقة مدهشة، والمشهد الذي يبدو حقيقياً قد لا يكون قد حدث أصلاً.
لهذا تبدو الثواني القليلة التي تسبق إعادة النشر حاسمة أكثر من ذي قبل. ليس لأن التريث يحل المشكلة كلها، بل لأنه يمنحنا فرصة قصيرة للتفكير قبل أن نصبح جزءاً من دورة انتشارها.
ومع الوقت، لا يعود الأمر متعلقاً بالتحقق من مقطع أو صورة فقط، بل بطريقة التفكير نفسها. فالمستخدم اليوم لا يحتاج بالضرورة إلى خبرة تقنية متقدمة، بقدر ما يحتاج إلى عادة بسيطة: أن يطرح بعض الأسئلة قبل التصديق. من نشر هذا؟ وما مصدره؟ وهل أكدته جهة أخرى مستقلة؟
هذه الأسئلة تبدو صغيرة، لكنها أصبحت جزءاً من مهارات الحياة اليومية في العصر الرقمي.
واللافت أن هذا المعنى ليس جديداً على ثقافتنا. فالقرآن الكريم وجّه إلى التثبت قبل نقل الأخبار، وحذّر الهدي النبوي من تداول كل ما يُسمع دون تحقق. الجديد فقط أن حجم التدفق الهائل للمعلومات جعل هذه القيم أكثر إلحاحاً من ذي قبل.
وكلما ازداد المحتوى الرقمي تعقيداً، ازداد إدراكي لأهمية المصادر التي ما زال الناس يثقون بها. فوسط هذا الضجيج المتواصل لا يبحث الجمهور دائماً عن أول من ينشر الخبر، بقدر ما يبحث عن جهة تمنحه قدراً من اليقين بأن ما يقرأه أو يشاهده قد مرّ بحد أدنى من التحقق. ومن هنا، ندرك لماذا لم تتراجع قيمة الإعلام المهني كما يظن البعض، بل أصبحت أكثر وضوحاً في زمن الالتباس.
ولعل أخطر ما في حروب التزييف الحديثة أنها لا تحاول دائماً إقناع الناس بالكذبة، بل إرباك قدرتهم على التمييز بين الصحيح والمفبرك. فعندما تصبح كل الروايات متشابهة في نظر المتلقي، تتآكل الثقة تدريجياً، ويصبح الشك هو الحالة الافتراضية تجاه كل شيء.
ولعل هذا ما يفسر أن المعركة الحقيقية ليست بين الحقيقة والزيف فقط، بل بين الانتباه والتسرع. فكلما ازدادت قدرتنا على إنتاج محتوى مقنع، ازدادت حاجتنا إلى بناء قدرة موازية على التحقق منه. وما يقلقني أحياناً ليس أن ينجح التزييف في خداع الناس، بل إن يعتادوا العيش في حالة شك دائم لا يثقون معها بأي شيء.
وهنا أتذكر أن سؤال عبدالله لم يكن في جوهره سؤالاً عن التطبيقات أو الخوارزميات، بقدر ما كان سؤالاً عن الإنسان نفسه. كيف نحافظ على قدرتنا على التمييز وسط هذا السيل المتدفق من المحتوى؟ وكيف نحمي ثقتنا بالحقيقة من التآكل البطيء؟
قبل سنوات قليلة فقط، كان يكفي أن يقول شخص: «رأيته بعيني» أو «سمعته بنفسي» لينهي أي نقاش. أما اليوم، فلم تعد هذه العبارات تمنح اليقين نفسه. والمفارقة هنا أن أهمية ما نعيشه لا تكمن في تطور أدوات التزييف فحسب، بل في التحول الذي أصاب علاقتنا بالحقيقة ذاتها. فالبيئة الرقمية لم تغيّر فقط ما نراه ونسمعه، بل غيّرت أيضاً الطريقة التي نثق بها بما نراه ونسمعه ونبني عليه أحكامنا.