د. هيا بنت عبدالرحمن السمهري
وسم حديث يضاف إلى تشكيل المنتج الثقافي تحويلا وتطويرا وفق النهج الذي تتخذه وزارة الثقافة مسارا ومنارا منذ رُسِمتْ حدودها! حيث صدرتْ الموافقة السامية بقرار مجلس الوزراء الموقر في الثالث والعشرين من شهر يونيو الجاري 2026م بتحويل الوحدة التنظيمية في وزارة الثقافة الموسومة بالأرشيف الثقافي إلى وسم جديد [مركز ذاكرة الثقافة السعودية]
وهذا قرار مجزٍ في تاريخ الثقافة السعودية! يُحمد لوزارة الثقافة أن عمِلت عليه لأنَّ ذاكرتنا الثقافية عظيمة وجديرة بالحفظ وفق المعايير الدولية؛ ويستهدف ذلك القرار التنظيمي حفظ النتاج الثقافي والتراثي السعودي، وتمكين ممارسيه، ونقله للأجيال بكامل سماته الحيوية، وسوف يُشعلُ مركز الذاكرة الثقافية السعودية مقوماتنا الذاتية ونخرج من الخوف الحقيقي على الموروث برمته؛ والخصائص الحضارية لبلادنا التي طالما كنا ننادي بالحرص عليها حيث الخصوصية التي تحتفظ بها الذاكرة الجمعية التي قد تبدو جامدة في كثير من الأحيان! والأجيال في عهودنا الحاضرة قد تعلمُ شيئا من خصوصية بلادنا وتراثها؛ ولكنها غير متجددة! وقد تكون خصوصية لفظية فقط؛ فقد تعاني الأجيال الناشئة من غربة عن كوامنها الذاتية، وإن كانت منبهرة بما يدور حولها وما يرصد من منجز ثقافي خارق يتم في بيئات أخرى؛ ومن خلال الذاكرة الثقافية لبلادنا نستطيع تحقيق الاندماج والتواصل مع تلك البيئات، ونستطيع أيضا من خلال الذاكرة الثقافية السعودية رفع قيمة الإبداع وتحقيق الفعل الثقافي الجماعي الواعي بقيمنا التاريخية! ونستطيع أن نجزم أن مركز ذاكرة الثقافة السعودية سوف يفضي إلى التأكيد على خصوصية بلادنا عند الأجيال الناشئة؛ وهو موضوع جدير بالاهتمام كما أنه من شروط البقاء في الحاضر والمستقبل ولذلك علينا أن نبرز الذاكرة الثقافية السعودية على أنها جزء أصيل من مشروعنا الإنساني الحضاري الكبير بما يحققه محتوى الذاكرة الثقافية من التنوع الذي هو الأساس في ثراء حضارتنا؛ فنأمل أن يكون حصادنا من موجودات مركز ذاكرة الثقافة السعودية مما يؤكد أن هناك مشتركات عامة بيننا وبين الثقافات الأخرى!
ولقد راق لي مسمى [مركز ذاكرة الثقافة السعودية] ولعل وزارة الثقافة وهي المحضن الودود للمركز تؤطر له وهو في حلته الجديدة وتغرس مهامه وتسقيها من وادي عبقر الذي راد واستزاد على أرض بلادنا الحبيبة، وذلك مما يجعل وزارة الثقافة تؤسس وتؤصل لوعي الأجيال بالقيم الإنسانية الكبرى التي قامت عليها بلادنا حتى يسري اليقين بأنه يمكننا الحصول على وضوح ثقافي ذي ثراء تعددي أوسع وأكمل من خلال استيعاب مضاعف للمشهد الثقافي منذ الأزل الذي تتوق بلادنا إليه في استراتيجيتها العظمى؛ فالثقافة انجاز جماعي وهي فكر ومناخ فلابد من الاطلاع على ما سبق في الذاكرة الثقافية ومن ثم الإضافة عليه فذلكم المطلوب والمنتظر! فتكون ثقافة ممزوجة من ماضينا وحاضرنا متواشجة المبنى والمعنى وتُسقى بماء واحد «كما ونأمل أن يكون مركز ذاكرة الثقافة السعودية مسهما في تحقيق العلاقة التبادلية بين الناس والنخبة المنتجة للثقافة المكتوبة وسواها؛ وأن يكون بمحفوظه في الذاكرة الثقافية مُلْهِما لكليهما!
فوزارة الثقافة أظنها الأوحد بين وزارات الدولة التي لن يصنعها إلا المتاح من الذاكرة الثقافية السعودية، فلم تعد الثقافة طللا في الصحراء نهيمُ به ونتباكى عليه؛ بل أصبحت الثقافة أصداء حية لحياة الناس في ماضيها وحاضرها تنمو بكثافة مذهلة؛ فكل حضور فكري ثقافي حتما تُشرَعُ من خلاله نافذة ضوء، ليكون في بلادنا سلاسل معرفة ثقافية في كل اختصاص تلتقط الإبداع وتقدمه محلياً وخارجياً فيصبح من متكآتنا الوثيرة في مجال الثقافة يصحبه النقد الحر والتقويم القويم والمراجعة المبصرة، ونتوق للاستمرار المتدفق للثقافة المنتقاة من الشوائب التي تحترم العقل ولا تلغيه؛ وتسهم في صناعة منابع التنمية وإثراء مصباتها؛ ونريدها ثقافة ممزوجة متواشجة «تُسقى بماء واحد» وعند عقد ألوية استقبال البدايات في الذاكرة الثقافية تبرز هنالك حاجة ملحة إلى تحويل كثير من المنجز الثقافي إلى خطاب استفتاء وتقييم للتعرف على المكتسبات الوطنية والفكرية من ذلك المنجز وتطويره والمتاح منه، فالواقع يحتم على وزارة الثقافة القيام بعدة أدوار في ذات الوقت والحال لبناء القدرات الثقافية الوليدة ورعاية جذور المبدعين وإحياء مآثرهم، وتسخير الوعي الثقافي ليكون مركبا حياتيا في كل الشئون، وتشكيل منصة متينة ثابتة في بلاد العالم الشقيقة والصديقة عبر ملحقيات بلادنا الثقافية ليقرأوا خطابنا السعودي الأثير ويستدلوا على خارطة الطريق نحو عقولنا وبلادنا، فالواقع اليوم يتطلب حضارة ثقافية تراكمية! فنأمل أن يسهم مركز ذاكرة الثقافة السعودية بوسمه الجديد وفحواه ومحتواه في دعم المرجعية الثقافية السعودية الثقافية في العالم؛ وأن يتمكن القائمين عليه من نقل الفكر الثقافي وتهيئة المناخ لإسقاطه على الصورة الذهنية لمجتمعاتنا في ماضيها وحاضرها حيث يستند عليه الاحتكام الأول في تقييم الشعوب عامة والإنسان المعاصر خاصة، فالبيئات الإنسانية المتخلفة تعطي مؤشرات أكيدة على اعوجاج المنجز الثقافي وسطحية الانتاج وضحالة المقومات الداعمة لاستيطان الثقافة بشكلها الاجتماعي والمادي.
بوح الختام
[ويُشرقُ في المحافلِ ذكر دارٍ
لها في الكونِ تاريخٌ تسامى]