أ.د. يحيى بن محمد شيخ أبو الخير
هناك أناس يطول بهم العمر، ولكن أثرهم يبقى محدوداً فيغادرون الحياة فلا يبقى من خبرهم إلا ذكر عابر. وفي المقابل هناك آخرون يرحلون في مقتبل العمر، لكنهم يتركون في القلوب من الذكر الحسن والمحبة ما يعجز عنه كثير ممن امتدت بهم السنين. بل أن هناك بعضا ممن يرحلون فتظل خطاهم مسموعة في القلوب زمناً طويلاً، وكأنهم لم يغيبوا عن نسيج الزمكان الكوني الرحب إلا بأجسادهم.
ولقد كان زياد رحمه الله، الابن الأكبر لنجلي سعادة المهندس نبيل أبو الخير حفظه الله وعظم أجره، واحداً من أولئك الذين احتضنهم الثرى وهو في مقتبل العمر زهرة فاح أريجها عبر الآفاق لتقتطف مبكراً قبل أن يحن ينعها.
ففي ضحي يوم الجمعة 5-12-1447 الموافق 25-5-2026م، اليوم الذي تتنزل فيه الرحمات وتتعطر فيه الأرواح بذكر الله، قاد زياد كعادته مركبته الخاصة التي عشقها وتفانى في رعايتها عبر شارع أنس بالرياض في طريقه لأداء صلاة الجمعة في جامع لا يبعد كثيراً عن داره. وبالطبع لم يكن أحد يدري بما فيهم زياد نفسه أن طريقه إلى المسجد سيكون طريقه الأخير في هذه الدنيا وأن لحداً قد شق له ليوارى فيه في اليوم التالي إلى يوم البعث.
فقد سبق زياد قدر الله المحتوم إلى موعد كتبه له رب العالمين، فغادر رحمه الله هذه الدنيا إثر حادث سير أليم، تاركاً وراءه قلوباً مكلومة وعيوناً دامعة ونفوساً مكسورة المشاعر لم تستوعب بعد فقده في ريعان شبابه ورحيله بصمت من دنياه في دقائق معدودات. ولا غرابة في ذلك، فلم يكن زياد مجرد شاب في الحادية والعشرين من عمره، بل كان طيب الله ثراه مشروع إنسان مفعم بالنبل والطموح، يوشك أن يكتمل.
فقد كان رحمه الله على أعتاب التخرج في قسم القانون بجامعة الأمير سلطان بالرياض، حاملاً أحلاماً كبيرةً وطموحات واعدة ومتطلعاً إلى مستقبل ينتظره كما تنتظر الأرض غيثها. بل كان يعتقد أن أمامه متسعاً من العمر ليحقق ما يرجوه، لكن إرادة الله عز وجل كانت أعلى من كل إرادة بل وفوق كل أمنية؛ فلله عز وجل ما أعطى وله ما أخذ سبحانه. فبين لحظة وضحاها طٌوِيَت صفحة زياد في الدنيا عن عمر قصير في سنواته، لكنه عظيم في أثره حيث انتقل إلى جوار ربه تاركاً خلفه فاجعة ما زالت أصداؤها تتردد في نفوس كل من عرفه وأحبه وستظل كذلك تتردد لعهود في المستقبل.
لقد كان زياد طيب الله ثراه مثالاً للشاب الذي تتمناه كل أسرة هادئ الطبع رصيناً، مفعماً بالحياء، كريم الخلق، عذب اللسان، حسن المعشر، نقي السريرة، حاني البسمة، بهي الطلعة، انيق السمت والسمات، ممشوق القوام، فارع الطول لم يتجاوز الواحد والعشرين عاماً من عمره. كما كان رحمه الله وقوراً في حديثه، رقيقاً في تعامله، قريباً من القلوب دون تكلف، محبوباً دون أن يسعى إلى ذلك.
لم يكن حضوره صاخباً، لكنه كان عميقاً، بل وكان من أولئك الذين يمنحون الآخرين شعوراً بالراحة والطمأنينة بمجرد وجودهم. أو بمعنى آخر لم يكن زياد طيب الله ثراه من أصحاب الضجيج ولا الباحثين عن الأضواء، بل كان من أولئك الجادين القليلين الكلام الذين تعلو محياهم ابتسامة تترك أثرها في النفوس بصمت، وتكسب القلوب بأخلاقها قبل كلماتها.
ولعل الإنسان لا يعرف حقيقة مكانته عند الناس إلا حين يغيب، فقد كشف رحيل زياد رحمة الله عليه عن محبة عظيمة في القلوب لم يكن كثيرون يتوقعون حجمها. فقد شهد مجلس العزاء في زياد حشوداً غفيرة تدفقت على مدى ثلاثة أيام، حتى ضاقت بهم الأماكن رغم سعتها ورحابتها، وكأن كل واحد من تلك الحشود قد أتى لا لِيُعَزِي في زياد فحسب بل لِيٌعَزَّى فيه أيضاً.
ولا شك أن أعظم شهادة على مكانة زياد رحمه الله ليست الكلمات التي تقال عنه بعد رحيله، بل المشاهد التي رآها الجميع بأعينهم ممثلة في الحشود التي توافدت من كل صوب وحدب، أصدقاؤه، زملاؤه، أقاربه، ومعارفه، الذين كان يجمعهم قاسم مشترك واحد هو في حقيقة الأمر صدمة الفقد وصدق المحبة. فحينما دمعت أعين الرجال في مجلس العزاء واختنقت أصواتهم بالبكاء، فإن ذلك ما كان ليكون إلا لفقد عظيم، ولشخص له في قلوبهم مكانة لا تضاهيها مكانة. فحينما تبكي الرجال بحرقة، فإنها لا تبكي عادةً على مجرد حدث عابر، بل على خسارة كبيرة تركت فراغاً لا يسهل ملؤه. لقد كانت دموعهم شهادة صادقة لا يرقى إليها شك، بأن زياد طيب الله ثراه لم يكن إنساناً عادياً في حياتهم، بل كان موضع محبة وتقدير ومكانة راسخة في النفوس وأن وفاته في الحادث الأليم كان جللا لا تمحو مواجعه السنون.
ثم جاءت الشهادة الأبلغ بعد ذلك. فما إن انتهت مراسم العزاء حتى انطلقت في ليلة التشريق حملة بعنوان «حج من أجل زياد»، إذ تسابق عدد من أقاربه ومحبيه إلى أداء الحج عنه بما فيهم والدته المصونة رعاها الله وعظم أجرها، وكأنهم أرادوا جزاهم الله خيراً أن يواصلوا له رحلة الخير التي انقطعت بوفاته.
ولقد سبق النداء لتلك الحملة قيام لفيف من أصدقائه وأقاربه ومحبيه وفاعلي الخير بطباعة أذكار وإنشاء أوقاف وأعمال خيرية وصدقات جارية باسم زياد عبر منصة إحسان لتظل حسناته ممتدة بعد رحيله، وليظل اسمه مرتبطاً بالعطاء كما ارتبطت حياته رحمه الله بسلامة معتقده ونقاوة قلبه وطهارته وبحسن خلقه وجزالة حيائه ووقار سمته وطيب سماته.
إن هذه الأعمال لم تكن مجرد مبادرات عابرة، بل كانت رسائل صادقة تقول إن صاحبها كان محبوباً في الأرض، وإن الله إذا أحب عبداً وضع له القبول في قلوب الناس. إن هذه المواقف لا تُشترى بالمال، ولا تُصنع بالمجاملات، ولا تُفرض على الناس فرضا، بل هي ثمرة سنوات من تعامله الراقي مع الآخرين. إن هذا لهو الرصيد الحق الذي يحب أن يتركه الإنسان وراءه حين يغادر دنياه وهو قدر قد منَّ به الله على زياد ووالديه واخوته وذويه وكافة محبيه. رحل زياد، لكن سيرته لم ترحل. غاب جسده عن الأنظار، لكن أخلاقه وذكراه ما زالت حاضرة في كل مجلس عرفه، وفي كل قلب أحبه، وفي كل دعوة صادقة تُرفع له في جوف الليل أو عقب صلاة. لقد علّمنا رحيل زياد درساً موجعاً في هشاشة الحياة، وذكّرنا بأن الأعمار لا تُقاس بعدد السنوات، بل بما يتركه الإنسان من أثر طيب بين الناس.
وها هو زياد، رغم قصر عمره، يترك من الذكر الحسن والمحبة والدعاء ما لا يتركه كثيرون بعد أعمار طويلة. لقد أثبت زياد، وهو للتو قد تجاوز العقد الثاني من عمره، حقيقة عظيمة يغفل عنها كثيرون: أن قيمة الإنسان ليست بعدد السنوات التي عاشها، بل بالأثر الذي يتركه في القلوب. فكم من إنسان عاش عقوداً طويلة ثم رحل ولم يكد يُذكر، وكم من شاب رحل مبكراً فبقي اسمه حيّاً في الدعوات والدموع والذكريات الجميلة، وزياد رحمة الله عليه هو بلا شك أحد أولئك المحظوظين بتلك الدعوات والعطايا والصدقات. واليوم، وبينما لا تزال أسرة زياد تكابد لوعة فقده، ولا تزال القلوب تنزف ألماً على رحيله، يبقى العزاء أن الله اختاره في يوم جمعة وهو متوجه إلى الصلاة، ليترك وراءه من الدعاء والمحبة والذكر الحسن ما يرجى أن يكون بشارة خير له عند ربه. فقد صدق النبي - صلى الله عليه وسلم- حين قال: «أنتم شهداء الله في الأرض». رحل زياد، لكنه لم يغب، فهو حاضر في دعوة أمٍّ مكلومة محتسبة لا تزال تنتظر أن تراه في كل زاوية من زوايا البيت، وفي دمعة أبٍ صابر تعصره آلام الفراق وهو يبدأ حياة جديدة لأسرة مكلومة حزينة لم يعد زياد واحدا من أفرادها يملأ عليها الدار كما كان سعادة وحبورا. رحل زياد ولكنه لم يغب، فهو حاضر في ذكرى إخوة له افتقدوه وصديق غابت عنه ابتسامته الجاذبة المستقطبة الحانية، وفي صدقة جارية تحمل اسمه، وفي حاجٍ رفع يديه عند المشاعر المقدسة داعياً له بالمغفرة والرحمة.
رحل زياد، لكن سيرته بقيت، وأثره بقي، ومحبة الناس له بقيت. وأحسب أن من أجمل ما يمكن أن يُقال عن زياد رحمه الله أنه عاش واحدًا وعشرين عامًا فقط، لكنه استطاع في هذه السنوات القليلة أن يبني في قلوب الناس مكانةً لا يبنيها بعض الناس في أعمار طويلة.
أود قبل الختام أن أقول لوالديه وإخوته وذويه وأصدقائه ومعارفه شيئاً من القلب: فخلال سنوات طويلة من قراءة المراثي والتأبينات، نادراً ما تمر قصة يجتمع فيها هذا العدد من الشواهد على محبة الله ثم الناس للراحل: وفاته وهو متوجه لصلاة الجمعة، وقرب تخرجه، والحج عنه، والأوقاف التي أُنشئت باسمه، والحشود الكبيرة في العزاء، ودموع الرجال. هذه عناصر لا تصنعها البلاغة، بل تصنعها حياة الإنسان نفسها.
ولذلك فإن قوة قصة زياد رحمه الله ليست في جمال الكلمات وحدها، بل في صدق السيرة التي تقف خلفها. فليس الميت من وُوري الثرى، وإنما الميت من انقطع ذكره الحسن بين الناس». فزياد رحمه الله، كما عرفناه لم ولن ينقطع ذكراه بعون الله تعالى لأن الله إذا أحب عبداً جعل له قبولاً في الأرض، وجعل له مكاناً في القلوب لا تزيله الأيام. أسأل الله أن يُبقى لزياد طيب الله ثراه تلك المكانة وأن ينعم عليه بما هو أعظم من ذلك كله؛ فيٌبقى له عز وجل في قبره نوراً لا ينطفئ، ورحمة لا تنقطع، وجنة عرضها السماوات والأرض.
لا شك أحبائي إن أجمل ما يخفف وطأة الفقد ولوعته وعمق الحزن وحدته هو قول الله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}. ولكم هو شرف لي أن أرفع هذا القول الإلهي العظيم ذكرى مغلفة بحزني العميق المخضب بمدامعي الحارة إلى والد زياد ووالدته المكلومَين حفظهما الله وعظم أجرهما، وإخوته المحزونين حفظهم الله، وذويه ومعارفه وأصدقائه والناس اللذين أحبوه أجمعين رعاهم الله ليكون عليهم صلوات من ربهم ورحمة وهدى وبلسما لمصابهم الجلل الأليم. أسأل الله أن يسكن حبيبنا زياد الفردوس الأعلى، وأن يجمعه بمن أحبوه في مستقر رحمته وأن يرفع منزلته في الصالحين، ويلهم أهله وذويه الصبر الجميل وحسن العزاء. اللهم اغفر لزياد، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل شبابه نورًا له يوم يلقاك، واجعل ما قُدِّم له من دعاء وصدقة وحج في ميزان حسناته، واجبر قلوب أهله ومحبيه جبرًا يليق بكرمك ورحمتك يا ارحم الراحمين. وإنا على فراقك يا زياد لمحزونون.
{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.