صالح الشادي
أتساءل أحياناً: كيف أصبحت البشرية ما هي عليه اليوم؟ هل كان ثمّة «خطأ» وراء جهودها الطويلة لترك حياة التنقل والترحال إلى حياة الاستقرار في المدن؟ أليست الحضارة التي نعيشها الآن -بنظمها وقوانينها ومدنها الكبرى- هي تتويج طبيعي لمسار التطور الإنساني؟ ثم لماذا إذاً يصدُر عن بعض الفئات البشرية رفضٌ لهذا التحضر، بل واستنقاصٌ له في أحيانٍ كثيرة؟ إنها أسئلة تثير الحيرة، وتستدعي منا العودة إلى جوهر الفكرة نفسها: ماذا يعني أن نكون متحضرين؟
عندما ننظر إلى الكلمة في اللغة العربية، نجد أن «الحضارة» مشتقة من جذر الفعل «حَضَرَ» الذي يعني الإقامة والاستقرار في مكان ما، وهو نقيض الترحال والبداوة. فالحَضَرُ هم سكان المدن والقرى، المتخذون الإقامة الثابتة موطناً لهم، وهذا المفهوم المكاني للإقامة تطور ليشمل كل ما تستتبعه الحياة المستقرة من تعاون وتآزر وتبادل للأفكار والعلوم. فليس عبثاً أن يرتبط «العمران» البشري بقاعدة قيام الحضارة، إذ يُعتبر الإنسان مدنياً بطبعه، وغايته الطبيعية هي الاستقرار والتحضر.
ولعل الصلة نفسها تتجلى في اللغات الأخرى، حيث ترجع كلمة «حضارة» في جذورها إلى فكرة المواطن في المدينة، مما يجعل التحضر ليس مجرد عملية اقتصادية، بل توليفةً فريدة من اقتصاديات المدن وأخلاقياتها وثقافتها الراقية.
فالتحضر إذاً ليس مجرد انتقال جغرافي من الريف إلى المدينة، كما قد يتبادر إلى الذهن أول وهلة. إنه تحول أعمق وأشمل بكثير، يتغلغل في مكونات الوجود الإنساني الثلاثة: العقل، والسلوك، والعمران. فالتحضر العقلي، هو تحول في أنماط التفكير والنظر إلى العالم، حيث يحل التخطيط العقلاني، والمنطق المبني على الأدلة، والقدرة على التجريد، بديلاً عن التفكير الأسطوري التقليدي. أمّا التحضر السلوكي، فيتمثّل في اكتساب أخلاقيات وعادات المواطنة والتفاعل المدني السليم؛ التخلق بقيم النظام، الالتزام بالقوانين، احترام المساحات والآداب العامة، وضبط النفس في الحوار والتعامل مع المخالفين.
وأمّا التحضر العمراني، فهو البُعد المادي الأكثر وضوحاً؛ أي البنية الفيزيائية للمدينة، من أبنية وشوارع وطرق ومؤسسات خدمية، وما يعكسه تخطيطها من رؤية متكاملة تضع رفاهية الإنسان وسهولة حركته ووصوله إلى خدماته في قلب التصميم. وبهذه الطبقات الثلاث تتكامل الدائرة التي تصنع الإنسان المتحضر.
هذا الذي يبدو لنا مساراً إنسانياً «طبيعياً»، لا ترتاح له كل الفئات البشرية، بل قد يراه البعض كارثة أو انحداراً أخلاقياً. ويمكننا تلمّس أسباب هذا النفور والاستنقاص عبر عدّة مستويات؛ أولها هو الشعور بفقدان الهوية والتماسك الجماعي. فعندما ينتقل الفرد من بيئة القرية المتماسكة حيث الروابط الأسرية والقبلية والعشائرية متينة، إلى زحام المدينة التي تتسم بالعلاقات البراغماتية المؤقتة، يشعر بالاغتراب ويشكّك في المسار برمته. ثانيها، التكاليف النفسية والصحية الفادحة التي تفرضها الحياة الحديثة؛ فكما أن أجسادنا ونفسياتنا قد تكوّنت عبر آلاف السنين لتتواءم مع الطبيعة، فإنها اليوم تجد نفسها عاجزة عن مواكبة التحول السريع، إذ تُغرقها المدينة بمنبهات اصطناعية وضجيج وضغط عصبي وملوثات، تاركةً آثاراً سلبية على الصحة الجسدية والعقلية.
ثالثها، الموقف الأخلاقي والنقدي المتحفظ، حيث يُنظر إلى التحضر باعتباره مرادفاً لـ«فقدان البراءة» والقيم الأصيلة، وسطوة التعقيدات المادية والتجارية التي تغلف العلاقات الإنسانية.
في وسط هذه التساؤلات والتناقضات، يظل التحضر أكبر عملية تغيير اجتماعي عرفتها البشرية. إنه ليس حالة منجزة بقدر ما هو عملية ديناميكية متجددة ومفتوحة على كل الاحتمالات؛ يمكن أن تتراجع وتتقهقر، كما يمكن أن تتقدم. والخيار الآن ليس رفض هذه العملية أو الخروج منها، بل هو كيفية توجيهها. كيف نبني مدناً أكثر إنسانية، لا تتعارض مع فطرتنا البيولوجية؟ وكيف نطور تحضراً عقلياً يُمكّننا من مواجهة تعقيدات العصر، وتحضراً سلوكياً يوثق نسيجنا الاجتماعي، وتحضراً عمرانياً يُكرّس استدامة الأرض وكرامة الإنسان؟ إنه استحقاق معرفي ووجودي قبل أن يكون واقعاً مادياً، ومهمة الأجيال القادمة أن تحسم هذا الإرث الحضاري، لا أن تلوذ بالهروب منه إلى ماضٍ لن يعود.