د. ناهد باشطح
فاصلة:
«الغربة نفسها ليست المشكلة، بل الطريقة التي نحمل بها أنفسنا إلى الغربة»
-الروائي الطيب صالح-
في إحدى الجلسات كنت أستمع إلى مجموعة من الخليجيين والعرب في مانشستر. طوال الوقت لم أسمع إلا شكاوى: الطقس سيئ، المدارس سيئة، الخدمات متراجعة، الضرائب مرتفعة، الناس باردون، وعندما انتهت الجلسة تذكرت أن معظمهم يعيش هنا منذ سنوات، وأن أبناءهم يتلقون تعليمهم في المدارس البريطانية مجانا، حينها تذكرت شخصيات المهجر التي تعيش بين حالتين من الشعور مختلفتين.
وتذكرت كيف أحب «جبران خليل جبران» أمريكا وانتقدها رغم أنه كتب في الغربة ووصفها أنها حررته من القيود الاجتماعية وأعاد فيها اكتشاف ذاته.
وكيف تحدث «إدوارد سعيد» عن شعور «المنفى» وأن الإنسان قد يعيش عمره بين مكانين دون أن ينتمي بالكامل لأي منهما، وفي كتابه «تأملات حول المنفى» يصف المنفى بأنه حالة تجعل الإنسان يرى مزايا وعيوب كل مكان في الوقت نفسه.
وكيف قال محمود درويش «إن الغريب ليس من يبتعد عن وطنه بل من يفقد مكانه في العالم»
أدباء المهجر لم يتذمروا من البلدان التي عاشوا فيها غربتهم لأن الغربة الحقيقية ليست مرتبطة بالسفر الى بلد آخر والعيش طويلا فيه.
ربما لا يستطيع بعضهم فهم الاختلافات الثقافية في الغربة... ربما يصر بعض الناس على رؤية السلبيات فقط في المكان الذي اختاروا العيش فيه.
بعض الأشخاص يعيشون سنوات طويلة في بريطانيا، للدراسة أو العمل أو الهجرة لكنهم نفسيًا ما زالوا يعيشون في وطنهم الأصلي..... يقارنون كل شيء بما تركوه وراءهم، ولا يبنون علاقة حقيقية مع المجتمع الجديد، و هذا ما تسميه بعض الأدبيات «ضغط التثاقف» أو Acculturative Stress»».
ما يفعلونه ليس نقدًا للبلد التي اغتربوا فيها، فالنقد حق طبيعي، لكنها حالة نفسية واجتماعية يشعر فيها الإنسان بعدم الانتماء للمجتمع تسمى «الاغتراب العدائي»
فالسبب ليست كراهية البلد، بل أفكار متصارعة حول واقع غربتهم، ربما هم في مقارنة يومية مثالية مع الوطن لا وجود لها على أرض الواقع، أو يجدون صعوبة الاعتراف بأن المكان الذي غادروه لم يكن مثاليًا أيضًا الإنسان المتصالح مع نفسه يرى مزايا وعيوب المكان معًا، أما الإنسان الغاضب، فإنه يحمل غضبه معه أينما ذهب.
لذلك نجد أشخاصًا انتقلوا من بلد إلى بلد ثم إلى بلد ثالث، لكن خطابهم لم يتغير، الشكوى هي نفسها، والخصم فقط يتبدل.
لذلك حين نتساءل لماذا يستطيع بعض المهاجرين أن يروا مزايا وعيوب البلد المضيف معاً، بينما لا يرى آخرون سوى العيوب رغم أنهم اختاروا البقاء فيه سنوات طويلة، ندرك أن المدينة ليست العامل الحاسم.
فالناس لا يسافرون إلى الخارج بأجسادهم فقط، بل يحملون معهم مخاوفهم وأفكارهم وتوقعاتهم المسبقة.
بعض الناس يسافرون آلاف الأميال، لكنهم لا يغادرون أفكارهم القديمة خطوة واحدة.
تذكرتُ مصطفى سعيد بطل (موسم الهجرة إلى الشمال)، ذلك الرجل الذي حمل غربته كمعركة، أما أنا فتعلمت في مانشستر أن الغربة لا تشترط الصراع.
يمكن للإنسان أن يحتفظ بقيمه دون أن يخاف من الاختلاف، وأن ينفتح على العالم دون أن يفقد جذوره.