رمضان جريدي العنزي
حين تدهمني الذكريات، لا تعود بي إلى أماكن فحسب، بل تحملني إلى زمنٍ كاملٍ كان للحياة فيه إيقاعٌ آخر، وإلى الرياض التي عرفناها يوم كانت أكثر قربًا من الأرواح وأشد التصاقًا بالوجدان، فأجدني أهيم في دروب حي المطار القديم، وأجوب شوارع الناصرية وحدائقها، وأمر على حلة العنوز، وحلة الفصمان، وأستعيد البطحاء يوم كانت مولنا الكبير وسوقًا يختصر الدنيا بأسرها في مخيلة صبيٍ لم يكن يعرف من العالم إلا ما تمتد إليه خطاه، هناك كانت الأيام تمضي على سجيّتها، لا تستعجل الغد ولا تستنزف الحاضر، كانت الشمس تشرق على وجوهٍ تعرف بعضها بعضًا، وتغيب على قلوبٍ لم تُثقلها حسابات المصالح ولا أرهقتها سباقات الحياة، وكانت البيوت متواضعة الجدران، عظيمة المعاني، يفيض منها الدفء الإنساني كما يفيض الضوء من النوافذ في ليالي الشتاء الهادئة، وما الماضي عندي صفحاتٍ مطوية في دفتر العمر، بل هو كائنٌ حيّ يسكن الذاكرة، ينبض كلما مرّ طيفُ ذكرى أو هبّت نسمةٌ تحمل عبق تلك الأيام، فما أعجب شأن الذكريات؛ إذ تستطيع أن تختصر عشرات السنين في لحظة تأمل، وأن تفتح أبوابًا ظننت أن الزمن قد أوصدها إلى الأبد، أحنّ إلى زمنٍ كانت فيه الأشياء أقل عددًا، لكنها أكثر قيمة، وكانت الأمنيات أصغر حجمًا، لكنها أعظم أثرًا في النفوس، أحنّ إلى الأيام التي كانت الفرحة فيها تولد من لقاءٍ عابر، أو مجلسٍ بسيط، أو نزهةٍ قصيرة، لا تحتاج إلى كثيرٍ من التكلّف لتصنع السعادة، فقد كانت البركة يومئذٍ تسكن التفاصيل، وكانت القلوب أكثر قدرةً على الابتهاج بما تيسّر، وأقل انشغالًا بما تعسّر، وكلما تقدمت بي السنون ازددت يقينًا أن الإنسان لا يشتاق إلى المكان بقدر ما يشتاق إلى نفسه التي كانت فيه، فالحنين في حقيقته ليس شوقًا إلى الشوارع والبيوت والأسواق، بل شوقٌ إلى ذلك الإنسان الذي كنا عليه، إلى براءة النظرة، وخفة الروح، وصفاء السريرة، وإلى أولئك الذين كانوا يملؤون المشهد حضورًا ثم مضوا، وبقيت آثارهم معلقةً في زوايا الذاكرة كالعطر العالق في ثوبٍ قديم، لقد تغيرت الرياض كثيرًا، واتسعت حتى غدت حاضرةً عالميةً تبعث على الإعجاب والفخر، غير أن في القلب رقعةً صغيرة لا تزال تحتفظ بصورة الرياض الأولى، الرياض التي كانت أقل عمرانًا، لكنها أكثر ألفة، وأبسط مظهرًا، لكنها أغنى بالذكريات، فالأمكنة الحديثة تبهر الأبصار، أما الأمكنة القديمة فتسكن الأرواح، وبين الإبهار والسكنىمسافةٌ لا تدركها إلا القلوب التي عاشت الزمنين معًا، ولهذا أبقى في عناقٍ دائم مع الماضي، لا هروبًا من الحاضر ولا جحودًا لنعمه، وإنما وفاءً لأيامٍ صنعت شيئًا من ملامحنا، وأسهمت في تشكيل أرواحنا، وغرست في أعماقنا جذورًا لا تستطيع السنون اقتلاعها، فبعض الذكريات ليست أحداثًا نتذكرها، بل أوطانٌ نقيم فيها كلما ضاقت بنا المنافي، ومرافئ نرسو إليها كلما أرهقتنا أمواج العمر، رحم الله تلك الأيام بما حملته من بساطةٍ ونقاء، ورحم الوجوه التي كانت جزءًا من تفاصيلها ثم غيّبها الزمن، فما زالت أصواتها تتردد في الذاكرة، وما زالت صورها تلوح في الأفق البعيد كنجومٍ خافتة، كلما ظننا أنها غابت أضاءت من جديد، وهكذا يبقى الماضي الجميل؛ لا يغادرنا وإن غادرناه، ولا يفارقنا وإن حالت بيننا وبينه عقودٌ طويلة، لأنه لم يسكن الأماكن يومًا، بل سكن القلوب، وما سكن القلب عصيٌّ على النسيان.