عبدالمطلوب مبارك البدراني
يصادف يوم الأحد، الموافق 21 يونيو 2026، «يوم الأب العالمي»؛ وهي المناسبة التي يستحضر فيها العالم قيم الأبوة وتضحياتها. ورغم رمزية هذا التاريخ عالمياً، إلا أننا في مجتمعاتنا الإسلامية ننظر إلى الأبوة من منظور أعمق وأشمل؛ فالأب لدينا ليس مناسبة تُحتفى يوماً في العام، بل هو منهج حياة، وعبادة يومية، وواجب ديني يتجدد مع كل إشراقة شمس.
ميثاق سماوي وبرّ لا ينقطع
لقد رفع الإسلام مكانة الوالدين إلى عنان السماء، وقرن طاعتهما بعبادته جل وعلا في ميثاق غليظ لا يقبل التهاون. يقول الله تعالى في محكم التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا... (23) سورة.
هذا التوجيه الرباني الصارم يضعنا أمام حقيقة واضحة: إن بر الآباء والإحسان إليهم ليس تفضلاً منا، بل هو فرض عين وفاءً لرحلة كفاح بدأت منذ صغرنا، حيث كان الأب -بمشيئة الله وتوفيقه ومؤازرة الأم- هو الراعي والداعم والمربي.
ثلاثية الأبوة:
السند والقدوة والأمان
مهما بلغت بلاغة الكلمات، يعجز القلم عن توفية الأب حقه. إنه الرجل الذي كدّ وتعب، وأفنى زهرة شبابه وصحته ليؤمن لفلذات كبده العيش الكريم. إن الآباء في حياة أبنائهم يمثلون أركاناً ثلاثة لا غنى عنها:
- السند الصلب: الذي نتكئ عليه في مواجهة عواصف الحياة وتقلباتها.
- القدوة الحية: التي نستلهم منها المبادئ، والقيم، ومعاني الرجولة والمسؤولية.
- مرفأ الأمان: الذي يبدد مخاوفنا ويمنحنا القوة لنخطو نحو المستقبل بثبات.
واجب الشريعة.. وظلال الرحمة للراحلين
إن شريعتنا الغراء لم تترك العلاقة بالآباء رهناً بالمشاعر العابرة، بل أطّرتها بحقوق واجبة الأداء؛ تشمل الطاعة بالمعروف، ولين الجانب، وتقديم الراحة لهم وتلبية احتياجاتهم دون تبرّم.
وفي هذا اليوم، لا يمكن أن ننسى أولئك الذين غابت أجسادهم وبقيت مآثرهم؛ الآباء الذين انتقلوا إلى جوار ربهم بعد أن أدوا الأمانة وتركوا في قلوبنا غصة رحيل لا تمحى..
إلى كل من فقد سنده في الحياة: إن برّك بأبيك لم ينتهِ بموته. إنهم اليوم أحوج ما يكونون إلى دعواتنا. فاللهم ارحم آباءنا الراحلين، واغفر لهم، وتجاوز عن سياتهم. اللهم جازهم بالإحسان إحساناً، وبعفوك غفراناً، واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك.
أما أولئك الذين يرفلون في ثوب الصحة بيننا، فنصيحة الأيام لهم: برّوهم الآن.. فالأيام تمضي سريعة، ورضا الأب هو بوابة التوفيق في الدنيا والآخرة.