عبدالكريم بن دهام الدهام
لا ينبغي أن يُنظر إلى فصل الصيف بوصفه مجرد فترة تتوقف فيها الدراسة وتتراجع خلالها وتيرة الحياة اليومية، بل هو مساحة زمنية واسعة يمكن أن تتحول إلى محطة لبناء الإنسان واستثمار طاقاته.
فالإجازة الصيفية، على امتداد أسابيعها، تمنح الشباب فرصة نادرة لإعادة اكتشاف قدراتهم، واختيار مسارات جديدة تثري شخصياتهم بعيداً عن قاعات الدراسة، ليكون العمل التطوعي أحد أبرز هذه المسارات وأكثرها أثراً في الفرد والمجتمع.
في المملكة لم يعد العمل التطوعي نشاطاً هامشياً أو مبادرة موسمية، بل أصبح جزءاً من ثقافة وطنية متنامية، تدعمها رؤية المملكة 2030 التي جعلت من تنمية رأس المال البشري وتعزيز المسؤولية المجتمعية أحد أهدافها الرئيسة. ومن هنا، تتحول الإجازة الصيفية إلى موسم حقيقي للعطاء، تتلاقى فيه جهود المؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية والقطاع الخاص لإطلاق عشرات المبادرات والبرامج التي تستوعب طاقات الشباب والفتيات في مختلف مناطق ومحافظات المملكة.
وتتعدد مجالات العمل التطوعي خلال الصيف بما يلبي اهتمامات المتطوعين وتخصصاتهم؛ فمنها ما يركز على خدمة المجتمع، ومنها ما يعنى بحماية البيئة، أو المشاركة في البرامج الثقافية والتعليمية، أو الإسهام في المبادرات الإنسانية والصحية، وصولاً إلى الفعاليات السياحية والترفيهية التي تحتاج إلى كوادر شابة تمتلك روح المبادرة وحسن التعامل مع الآخرين. وهذا التنوع يجعل كل شاب وشابة قادرين على إيجاد المجال الذي ينسجم مع ميولهم ويمنحهم تجربة ثرية تضيف إلى رصيدهم الشخصي والمهني.
ولعل أجمل ما يقدمه العمل التطوعي للشباب أنه يفتح أمامهم أبواباً لا توفرها الدراسة وحدها. فهو مدرسة عملية يتعلمون فيها القيادة، والعمل بروح الفريق، وتحمل المسؤولية، وإدارة الوقت، والتواصل الفاعل مع الآخرين، كما يمنحهم الثقة بالنفس ويصقل شخصياتهم من خلال التعامل مع مواقف واقعية تتطلب المبادرة واتخاذ القرار.
ولا يقف أثر التطوع عند حدود الفرد، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، إذ يسهم في ترسيخ قيم التعاون والتكافل والتراحم، ويعزِّز الانتماء الوطني، ويجسد صورة المجتمع المتكاتف الذي يشارك جميع أفراده في تحمل المسؤولية. فكل ساعة تطوع يقدمها شاب أو فتاة هي استثمار في بناء مجتمع أكثر وعياً وتماسكاً، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات بروح جماعية.
وقد أدركت الجهات المنظمة أهمية استثمار موسم الصيف، فسعت إلى تصميم برامج نوعية تستوعب الأعداد المتزايدة من الراغبين في التطوع، مع توفير بيئات عمل آمنة ومحفزة، تتيح للمتطوعين ممارسة أدوارهم بكفاءة، وتمنحهم فرصة الاحتكاك بالخبرات المختلفة واكتساب مهارات يحتاجها سوق العمل مستقبلاً. كما أصبح توثيق الساعات التطوعية وحفظها في السجل الوطني للمتطوعين حافزاً إضافياً للشباب للمشاركة والاستمرار.
ولم يعد مفهوم الإجازة الصيفية يقتصر على السفر أو الترفيه، بل أصبح كثير من الشباب ينظرون إليها بوصفها فرصة للاستثمار في الذات، وإضافة إنجاز جديد إلى مسيرتهم، من خلال المشاركة في المبادرات التطوعية التي تترك أثراً إيجابياً في المجتمع، وتمنحهم في الوقت ذاته خبرات لا تُقدر بثمن.
إن ما تشهده المملكة من توسع في ثقافة التطوع يعكس اهتمام القيادة الرشيدة بترسيخ قيم المشاركة المجتمعية، وإشراك مختلف فئات المجتمع في مسيرة التنمية الوطنية، انطلاقاً من الإيمان بأن الإنسان هو أساس التنمية وغايتها. ولهذا، فإن كل مبادرة تطوعية، مهما كان حجمها، تمثل لبنة في بناء وطن أكثر ازدهاراً، ومجتمع أكثر تلاحماً، وشباب أكثر وعياً بدورهم في صناعة المستقبل.
ويبقى الصيف موسماً استثنائياً لمن أراد أن يصنع فرقاً، وأن يحول أوقات الفراغ إلى ساعات من الإنجاز والعطاء. فالمجتمعات لا تنهض بالإمكانات المادية وحدها، وإنما تنهض أيضاً بقلوب تؤمن بالخير، وأيدٍ تمتد لخدمة الآخرين، وشباب يدركون أن أجمل الإجازات هي تلك التي تنتهي وقد تركت أثراً جميلاً في حياة الناس، وأضافت إلى الوطن قصة جديدة من قصص العطاء التي لا تنضب.