صالح بن ناصر العنزي
يقول أبو الإدارة بيتر دراكر: «لا ينبغي أن يوضع في منصب قيادي ذلك الذي يخاف من تميز موظفيه».
هذه العبارة العميقة في أبعادها.. تختصر أحد أهم أسرار القيادة الحديثة؛ فالقائد الحقيقي لا يُقاس بعدد الإنجازات التي يحققها بنفسه، بل بعدد الأشخاص الذين ساهم في تطويرهم وتمكينهم ليحققوا الإنجازات من بعده.
أذكر على المستوى الشخصي، في مقابلة وظيفية على منصب قيادي تنفيذي، سألني الرئيس التنفيذي (لإحدى كبرى الشركات في المملكة) أفضل سؤال في حياتي: كم قائداً صنعت خلال مسيرتك القيادية؟ وطلب مني ذكر أسمائهم ومناصبهم الحالية.
إن أجمل ما يمكن أن يحققه المدير خلال مسيرته المهنية أن يرى أحدا أو عددا من موظفيه يتفوق في مجال من المجالات.
في الماضي كانت بعض المنظمات تبحث عن الموظف الذي ينفذ التعليمات بدقة، أما اليوم فإن المنظمات الناجحة تبحث عن الموظف المبادر، المبدع، القادر على التفكير والحل والتطوير. وهنا يظهر الدور الحقيقي للمدير؛ ليس بوصفه مراقباً للأداء، بل صانعاً للفرص ومكتشفاً للمواهب وممكناً للطاقات.
ولعل المتأمل في التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030 يلاحظ أن الاستثمار في الإنسان لم يعد شعاراً يذكر في الخطط، بل أصبح ممارسة واقعية تتجسد في مبادرات وبرامج وطنية نوعية. فمن خلال برنامج تنمية القدرات البشرية، ومبادرات مؤسسة مسك، وأكاديمية طويق وغيرهما من المشاريع الوطنية، أتيحت للشباب والشابات فرص غير مسبوقة للتعلم والتطوير وقيادة المبادرات وصناعة الأثر. لقد أدركت المملكة مبكراً أن أعظم المشاريع لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، بل بالعقول التي تصنع من الطموح منجزاً، ومن الفرص قصص نجاح تُروى.
في كثير من الجهات السعودية الرائدة، أصبحت برامج تطوير المواهب والتعاقب الوظيفي والقيادات الواعدة جزءاً أساسياً من منظومة العمل. والهدف من ذلك ليس شغل الوظائف الشاغرة فحسب، بل بناء أجيال متعاقبة من القادة القادرين على مواصلة الإنجاز. وهذه الفلسفة تعكس فهماً عميقاً لحقيقة إدارية مهمة: المنظمة التي تعتمد على شخص واحد معرضة للتعثر، أما المنظمة التي تبني الكفاءات باستمرار فهي منظمة قادرة على الاستدامة والنمو.
القائد الواثق لا يخشى من وجود موظف متميز في فريقه، بل يراه إضافة نوعية. وهو يدرك أن نجاح موظفيه يزيد من نجاحه، وأن بروز أسمائهم يعزز من قيمة الفريق بأكمله. ولذلك يحرص على منحهم فرص التعلم، وإشراكهم في المشاريع المهمة، وإبراز إنجازاتهم، وفتح الأبواب أمامهم للنمو والتطور.
لو سألتك -عزيزي القارئ- عن أفضل المديرين الذين عملت معهم، غالباً لن تتذكر الأكثر صرامة أو الأكثر حضوراً، بل المدير الذي آمن بقدراتك عندما تجاهلك الآخرون، ومنحك الثقة عندما كنت بحاجة إليها، وساندك عندما واجهت التحديات.
ومسك الختام في قول سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان: -حفظه الله- «أهم ثروة تملكها المملكة هي المواطن السعودي». فعندما يؤمن القائد بهذه الحقيقة، فإنه يدرك أن أعظم استثمار يمكن أن يقدمه لمنظمته ووطنه هو الاستثمار في البشر.