د. ياسين علي محمد عزي
في وطنٍ جعل من «لا مكان للمستحيل» ثقافة عمل ومشروع دولة، لا تبدو الرياضة مجرد منافسة عابرة، ولا يكون المنتخب الوطني فريقًا يدخل الملعب ثم يغادره مع صافرة الحكم. للأخضر في وجدان السعوديين معنى أكبر من النتيجة؛ صورة وطن، وامتداد حلم، وراية تتحرك في الملعب كما تتحرك في القلوب.
لذلك لم يكن خروج المنتخب السعودي من كأس العالم 2026، بعد التعادل السلبي أمام الرأس الأخضر، مجرد نهاية رياضية لمشاركة مونديالية. كان لحظة تستحق أن تُقرأ بهدوء لا غضبًا، وبوعي لا انفعالًا؛ لأن السؤال الأهم لا يتوقف عند التعادل، ولا عند الخروج دون انتصار، بل عند ما هو أعمق: أي لغة سبقت هذه المشاركة؟ وأي معجم نفسي دخل به الأخضر إلى اختباراته الكبرى؟
في تحليل الخطاب، لا تكون الكلمات مجرد عبارات تُقال في المؤتمرات الصحفية، بل أدوات تصنع التوقع، وتبني المزاج، وتحدد حدود الممكن في وعي اللاعبين والجماهير معًا. فالمدرب، قبل أن يختار خطته، يختار اللغة التي سترافق لاعبيه إلى الملعب؛ لغة قد ترفع المعنويات أو تُضعفها، وقد تكشف عن جاهزيته النفسية قبل أن تكشف عن جاهزية فريقه الفنية. فالكلمة التي تسبق المباراة قد تتحول، في لحظة الضغط، إلى سلوك يُرى على العشب الأخضر.
قبل مواجهة إسبانيا، قال مدرب الأخضر إنه يميل عادة إلى المخاطرة، لكنه لن يخاطر أمام إسبانيا. وبعد الخسارة، قال إن المنتخب افتقد الجرأة. ثم قبل مواجهة الرأس الأخضر، عاد الحديث عن الوقت والصبر والواقعية، وأن بناء منتخب لا يتم في أسابيع.
هذه الجمل، حين تُقرأ منفصلة، قد تبدو عادية. لكنها حين توضع في سياق واحد تكشف معجمًا كاملًا: الحذر، عدم المخاطرة، نقص الجرأة، الحاجة إلى الوقت، وتخفيض سقف التوقعات.
وهنا لا يكون النقد موجّهًا إلى شخص بقدر ما هو موجه إلى فلسفة خطابية لا تشبه طموح الأخضر ولا روح السعودية الجديدة.
فالسعودية التي تصنع تحولها الكبير لا تفسر الحدود قبل أن تستشرف الآفاق، ولا تجعل الواقعية نقيضًا للطموح. نحن وطنٌ تعلّم أن الحلم لا يُدار بالخوف، وأن الطموح لا يُبنى بتأجيل السؤال، وأن الواقعية الحقيقية ليست أن نُقزّم طموحاتنا، بل أن نمنحها أدوات الانتصار.
والتاريخ السعودي نفسه يقول ذلك.
في مونديال 1994، لم يقبل خورخي سولاري أن يُعامل الأخضر كضيف شرف، بل أعلن ثقته بقدرة المنتخب السعودي على إثبات حضوره وعبور الدور الأول، فتحولت الثقة إلى وعد، والوعد إلى إنجاز. وفي مونديال 2022، لم يدخل هيرفي رينار غرفة الملابس قبل مباراة الأرجنتين ليشرح الفوارق، بل استدعى الوطن كله في وجدان لاعبيه، وذكّرهم بأن ملايين السعوديين خلفهم، ثم ختمها بمعجم سعودي أصيل: الاستسلام مستحيل.
حينها لم ينتصر الأخضر بالمهارة وحدها، بل انتصر بلغة آمنت به قبل أن يؤمن به العالم.
أما أمام الرأس الأخضر، فقد جاءت الأرقام لتزيد السؤال وضوحًا. المنتخب السعودي كان يحتاج إلى الفوز، لكنه خرج بتعادل سلبي، بينما كان المنافس أكثر خطورة، وأكثر حضورًا في التسديدات، وأكثر اقترابًا من صناعة الفارق. لم تكن المشكلة أن الشباك لم تهتز فقط، بل أن الحسم لم يظهر بما يكفي في اللغة أولًا، قبل أن يتجلى في الملعب.
ومع ذلك، فإن هذه القراءة لا تنتقص من قيمة لاعبينا، ولا من غيرتهم، ولا من مكانة المنتخب في وجداننا. بل على العكس، هي دفاع عن الأخضر لا هجوم عليه؛ لأن من يحب منتخب بلاده لا يكتفي بالتصفيق حين يفوز، ولا بالصمت حين يتعثر، بل يبادر بالسؤال الذي يساعده على النهوض. لذلك أبت حروفي إلا أن تسطر هذه الكلمات عقب المباراة، والأخضر في داخلنا وطنًا وإنسانًا وهوية، يستحق منا صدق المحبة وجرأة السؤال.
نحن لا نريد خطابًا متهورًا، ولا وعودًا فارغة، ولا تجاهلًا لقوة المنافسين. نريد لغة تليق بالسعودية: تحترم الخصم دون أن تصغر أمامه، تؤمن بالصبر دون أن تجعله ستارًا للتراجع، وتفهم الواقعية دون أن تحولها إلى اسم آخر للحذر.
فالمنتخب السعودي اليوم ليس بحاجة إلى معجم يشرح له لماذا لا يخاطر، بل إلى معجم يقول كيف يخاطر بوعي، ويهاجم بعقل، ويحلم بثقة، ويحمل قميص الوطن كما يليق بوطن لا يعرف المستحيل.
نعم، خرج الأخضر من المونديال وخرجت قلوبنا معه، لكن الدرس الأهم بقي حاضرًا في الوجدان:
المنتخبات لا تصنع حضورها بالمهارة وحدها، بل باللغة التي تسكن وعيها قبل أن تبدأ المباراة.
فحين لا تشبه اللغة طموح الوطن، يصبح أول مشروع يستحق أن نلتفت إليه هو أن نستعيد للكلمة جرأتها، وللأخضر لغته، وللحلم السعودي معجمه الأجمل:
لا مستحيل مع وطنٍ قرر أن يصنع المستحيل.
** **
- أكاديمي سعودي وكاتب