عمار الزغيبي
في وقت يشهد فيه العالم حالة من عدم اليقين الاقتصادي بسبب التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية، تبرز المملكة العربية السعودية كأنموذج استثنائي مختلف في إدارة الاقتصاد والاستثمارات، القائمة على التخطيط طويل المدى، وتنويع مصادر الدخل، وبناء شراكات استراتيجية تتجاوز حدود المنطقة الملتهبة، فلم يعد الحديث عن قوة الاقتصاد السعودي مجرد توصيف محلي، بل أصبح حقيقة تؤكدها المؤسسات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي الذي أشاد مؤخرًا بمتانة الاقتصاد السعودي وقدرته على الصمود أمام المتغيرات الإقليمية والدولية.
إنها إشادة لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة عمل تراكمي دؤوب تقوده رؤية المملكة 2030، بنجاح وإنجازات حولت التحديات إلى فرص، ورسخت أسس اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة، وبينما كانت المنطقة تمر بظروف سياسية وأمنية معقدة، سجل الاقتصاد السعودي نموًا بلغ 3% خلال الربع الأول من العام الجاري، مدفوعًا بنمو الأنشطة النفطية وغير النفطية، إلى جانب الأداء القوي للقطاع الحكومي والخاص. ولعل ارتفاع مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي إلى 52.8 نقطة خلال مايو يعكس استمرار التوسع في الأعمال وتحسن بيئة التشغيل والاستثمار، فيما يعزز تراجع معدلات التضخم وتحسن الميزان التجاري من جاذبية المملكة للمستثمرين المحليين والدوليين.
عندما نتحدث عن التحول الاقتصادي الحقيقي، فإن برنامج التحول الوطني يمثل أحد أبرز قصص النجاح السعودية، فاكتمال أكثر من 71% من مبادرات البرنامج يعكس حجم العمل المُنجز في ملفات البيئة والأمن الغذائي والمائي والتنمية المجتمعية وتمكين القطاع الخاص، كما أن برنامج تنمية القدرات البشرية نجح في بناء جيل سعودي أكثر جاهزية للمنافسة عالميًا، من خلال تطوير التعليم والتدريب وتعزيز ثقافة الابتكار والاستفادة من التقنيات الحديثة.
اللافت أن السعودية لم تكتفِ بتطوير القطاعات التقليدية، بل اتجهت بقوة نحو اقتصاد المستقبل، ويكفينا هنا النمو المتسارع لقطاع المحتوى الرقمي الذي وصل حجمه إلى 24.5 مليار ريال خلال 2025، مع مستهدفات تتجاوز 33 مليار ريال بحلول 2030، وهو تحول يفتح آفاقًا واسعة للاستثمار ويخلق فرصًا جديدة للشباب ورواد الأعمال. وفي المقابل، يعكس اختيار الرياض مقرًا لأول مكتب متخصص للأمن السيبراني تابع لمعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث حجم الثقة الدولية المتزايدة بالنموذج السعودي، الذي أصبح اليوم لاعبًا رئيسيًا في قطاع الأمن السيبراني، ليس فقط على المستوى الإقليمي بل على المستوى العالمي، وهو قطاع بات يمثل أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في العصر الرقمي. وهذه رسالة تحمل دلالات مهمة للمستثمرين حول العالم، فالمملكة تمتلك ملاءة مالية قوية، وبنية لوجستية متقدمة، وخططًا استباقية تضمن استمرارية الأعمال وحماية سلاسل الإمداد والأمن الغذائي.
أما على صعيد القطاع الخاص، فإن إطلاق اتحاد الغرف السعودية لاستراتيجيته الجديدة للفترة 2026 – 2030 يعكس مرحلة جديدة من الشراكة بين الدولة وقطاع الأعمال، والتي تستهدف رفع تنافسية القطاع الخاص، وتوسيع الشراكات الدولية، ودعم الصادرات وجذب الاستثمارات، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 التي تضع القطاع الخاص في قلب عملية التنمية الاقتصادية، أما دوليًا، فالسعودية اليوم أحد أهم الشركاء الاقتصاديين المؤثرين في العالم، بدليل حضورها الفاعل ضمن الملفات الاقتصادية المطروحة على طاولة قمة مجموعة السبع في فرنسا، لكونها شريكًا رئيسيًا في مناقشة قضايا الطاقة وأمن الإمدادات والاستثمار العالمي والتحول الاقتصادي. ولم يعد دورها يقتصر على كونها أكبر مصدر للنفط، بل أصبحت قوة اقتصادية تملك أدوات التأثير في أسواق الطاقة والاستثمار والتقنية والتنمية المستدامة.
إن السعودية لم تعد مجرد اقتصاد كبير، بل أصبحت لاعبًا عالميًا يشارك في صياغة مستقبل الاقتصاد الدولي، بخطوات واثقة نحو ترسيخ مكانتها كواحدة من أهم القوى الاقتصادية المؤثرة في العالم، وقصة نجاح تنموية تستحق أن تُروى وتُدرّس.