د.عبدالله الفايز
تحولت العروبة في الواقع العربي المعاصر من مشروع جامع إلى خطاب موسمي يُستدعى عند الأزمات ويُغلق فور انتهاء الحاجة، فبينما يتكرر في الخطاب العام الحديث عن «أمة عربية واحدة» ووحدة المصير، تكشف الممارسة السياسية والاقتصادية عن واقع مغاير تحكمه حسابات ضيقة ومصالح متغيرة، حيث تُرفع شعارات التضامن عندما تحتاج دولة إلى دعم سياسي أو اقتصادي أو إعلامي، ثم تُهمَل هذه الشعارات عندما تتعارض مع المصالح الوطنية، وكأن العروبة أصبحت لغة طوارئ لا أكثر، تُستخدم عند الضرورة وتُنسى في أوقات الاستقرار، وهذا الاستخدام الانتقائي لم يضعف الفكرة فقط بل أفرغها من مضمونها العملي وأفقدها مصداقيتها تدريجيًا، فالهويات لا تُقاس بالشعارات بل بالالتزامات، ولا تُبنى بالخطب بل بالمؤسسات، وعندما تغيب هذه المؤسسات أو تضعف، تتحول الهوية إلى عبء بدلاً من أن تكون رصيدًا إستراتيجيًا، والمفارقة الصارخة أن الدول العربية، رغم وحدة اللغة والتاريخ والثقافة، لم تنجح في تحقيق الحد الأدنى من التكامل الذي حققته تكتلات حديثة مثل الاتحاد الأوروبي الذي استطاع، رغم اختلاف اللغات والثقافات، أن يبني سوقًا مشتركة ونظامًا اقتصاديًا متماسكًا ومؤسسات قوية تفرض الالتزام، في حين بقيت جامعة الدول العربية إطارًا رمزيًا أكثر منه عمليًا، تفتقر إلى أدوات التنفيذ والإلزام، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن حجم التجارة البينية بين الدول العربية لا يتجاوز في أفضل حالاته 10 إلى 15 في المئة، مقارنة بأكثر من 60 في المئة داخل الاتحاد الأوروبي، وهو مؤشر واضح على ضعف الترابط الاقتصادي، وبالتالي ضعف الحافز للتكامل، ولا يمكن فهم هذا الفشل دون النظر إلى العوامل البنيوية التي تحكم النظام العربي، حيث تتباين الدول بشكل حاد بين دول غنية تعتمد على الموارد، ودول كثيفة سكانيًا تعاني من ضغوط اقتصادية، ودول تعيش نزاعات سياسية، وأخرى في مراحل انتقالية، وهو ما يخلق اختلالًا هيكليًا يعوق بناء سياسات موحدة أو حتى رؤية مشتركة، وفي ظل هذا التباين، تهيمن الواقعية السياسية التي تجعل كل دولة تقدم مصالحها الوطنية على أي اعتبار قومي، بينما يؤدي ضعف المؤسسات الإقليمية إلى غياب آليات التنسيق الفعّال، فتظل الاتفاقيات حبرًا على ورق، ويمكن تفسير هذه الحالة عبر نموذج تحليلي مبسط قائم على منطق المدخلات والعمليات والمخرجات، حيث تتوفر المدخلات من موارد بشرية وطبيعية كبيرة،كن العمليات المتمثلة في التنسيق والتكامل المؤسسي ضعيفة، مما يؤدي إلى مخرجات محدودة تتمثل في تعاون جزئي وغير مستدام، وهذا الخلل في «العمليات» هو جوهر الأزمة وليس نقص الإمكانيات، والنتيجة الطبيعية لذلك هي تآكل الثقة بين الدول، وظهور سلوكيات متناقضة تعمّق الانقسام بدل أن تعالجه، حيث نرى مواقف مزدوجة تُستخدم فيها العروبة لتبرير موقف معين، ثم يتم تجاهلها في مواقف أخرى مشابهة، مثل احتلال دولة عربية لأخرى او لوم دول لتعاونها مع امريكا واليهود بينما هناك دول لديها تعاون وتعامل أكبر ولا تلام. تقصف ايران دول الخليج ولا تجد اي استنكار من اخوتها العرب. وهو ما يعزز الانطباع بأن العروبة لم تعد إطارًا ثابتًا بل أداة سياسية مرنة تُستخدم وفق الحاجة، وهذا بدوره يدفع بعض الدول إلى إعادة تعريف أولوياتها خارج هذا الإطار، والتوجه نحو تحالفات إقليمية أو دولية أكثر استقرارًا ووضوحًا، وهنا يبرز التحول الأخطر، ليس في ضعف العروبة بحد ذاته، بل في فقدان الثقة بها كمشروع قابل للحياة، فالدول لا تبني استراتيجياتها على مفاهيم غير مستقرة، وعندما تصبح الهوية غير مرتبطة بالتزامات واضحة، فإنها تفقد قيمتها السياسية، وتتحول إلى مجرد خطاب ثقافي لا تأثير له في صنع القرار، وإذا استمر هذا النمط، فإننا قد نشهد تدريجيًا تخليًا غير معلن عن العروبة كمشروع سياسي، ليس عبر قرارات رسمية، بل عبر ممارسات واقعية تعكس انتقال الدول إلى نماذج تعاون بديلة أكثر فاعلية، وعندها لن يكون السؤال لماذا فشل التكامل العربي، بل لماذا استمر لفترة طويلة رغم غياب مقوماته، إن العروبة اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن تتحول إلى مشروع مؤسسي قائم على المصالح المشتركة والالتزامات المتبادلة، مع بناء أدوات تنفيذية فعالة تعزز الثقة والتكامل، أو تبقى مجرد شعار موسمي يُستخدم عند الحاجة، وفي هذه الحالة ستستمر في التآكل حتى تفقد معناها بالكامل، لأن المشكلة لم تعد في الفكرة ذاتها، بل في طريقة ممارستها، فالعروبة لم تفشل لأنها غير صالحة، بل لأنها استُخدمت بطريقة انتقائية أفقدتها المصداقية، وبين مشروع لم يُستكمل وشعار أُفرغ من مضمونه، يبقى التحدي الحقيقي هو إعادة تعريف العروبة كالتزام لا كخيار، وكمنظومة عمل لا كأداة خطاب، وإلا فإن البديل سيكون واقعًا عربيًا أكثر تباعدًا، تتحكم فيه المصالح الفردية بدل الرؤية الجماعية، ويصبح فيه الانتماء مسألة رمزية لأكثر.