عبدالرحمن العطوي
قد نختلف في توصيف كثير من الجرائم لكننا لا نختلف أبداً على أن المخدرات ليست جريمة عادية وليست تجارة محرَّمة فحسب، بل هي حرب مكتملة الأركان تستهدف الدين والعقل والإنسان والأمن والاقتصاد والأسرة والمستقبل وهي السلاح الأخطر الذي تستخدمه عصابات الجريمة المنظمة لإسقاط الأوطان من الداخل بعدما عجزت كثير من المخططات عن النيل منها بالمواجهة المباشرة.
وإذا كانت الحروب التقليدية تبدأ بإطلاق الرصاص فإن حرب المخدرات تبدأ بحبة صغيرة تنتهي أحياناً بجريمة قتل أو انهيار أسرة أو ضياع شاب أو تدمير مستقبل وطن ولذلك فإن من ينظر إلى المخدرات على أنها قضية أمنية فقط فإنه لا يرى سوى جزء يسير من الحقيقة بينما الحقيقة الكاملة أنها معركة وجود يخوضها وطن بأكمله دفاعاً عن شبابه ومستقبله.
والمملكة العربية السعودية تدرك منذ عقود أنها مستهدفة في هذه الحرب ولذلك لم تنتظر حتى تقع الكارثة، بل صنعت منظومة أمنية تعد من الأقوى عالمياً في حماية الحدود والمنافذ وإحباط محاولات التهريب وتجفيف منابع الترويج وملاحقة كل من تسوّل له نفسه أن يجعل من أرض هذا الوطن ممراً أو مقراً لهذه السموم.
كل يوم تقريباً نستيقظ على بيان جديد تعلن فيه هيئة الزكاة والضريبة والجمارك عن إحباط محاولة تهريب ملايين الحبوب المخدرة أو أطنان من الحشيش أو الشبو أو غيرها من المواد السامة أخفيت داخل شاحنات أو فواكه أو أجهزة أو مواد بناء أو أثاث أو مركبات أو بطرق يصعب على العقل تصورها ويقف الإنسان مدهوشاً أمام حجم الخداع الذي تمارسه عصابات التهريب لكنه يقف أكثر دهشة وإعجاباً أمام كفاءة رجال الجمارك الذين استطاعوا بعين الخبير وتقنيات متقدمة وخبرة متراكمة أن يكشفوا تلك الحيل قبل أن تعبر حدود الوطن.
ولعل ما نقرؤه في وسائل الإعلام ليس سوى جزء مما يحدث أما الحقيقة الكاملة فهي أن هناك آلاف المحاولات التي تتكسر يومياً على يقظة رجال أقسموا أن يبقى هذا الوطن آمناً وأن لا تصل إليه يد العابثين مهما بلغت حيلهم ومهما تطورت أساليبهم.
وفي الجبهة الأخرى يقف رجال حرس الحدود، حيث لا كاميرات ولا مدرجات ولا تصفيق يقفون فوق قمم الجبال وبين الشعاب وفي الصحاري القاحلة وعلى امتداد السواحل الطويلة يواجهون المهربين في ظروف يعلم الله وحده قسوتها في حر الصيف وبرد الشتاء وبين الأودية والجبال والأمواج المتلاطمة يحملون أرواحهم على أكفهم ليمنعوا شحنة مخدرات من العبور أو يلقوا القبض على مهرب ظن أن تضاريس الأرض ستحميه من العدالة.
إنها معركة يومية يخوضها هؤلاء الرجال نيابة عن أكثر من ثلاثين مليون إنسان يعيشون بأمن واستقرار وربما لم يشعر كثيرون بحجم التضحيات لأن النجاح الحقيقي للأمن هو أن ينام الناس مطمئنين دون أن يروا الأخطار التي أزيحت عن طريقهم.
ولأن المملكة تنظر إلى المخدرات باعتبارها حرباً على المجتمع قبل أن تكون مخالفة قانونية فقد جاء قرار هيئة كبار العلماء رقم مئة وثمانية وثلاثين الصادر في العشرين من شهر جمادى الآخرة عام ألف وأربعمئة وسبعة للهجرة ليؤكد أن تهريب المخدرات من أعظم صور الإفساد في الأرض وأن العقوبات الرادعة ضرورة لحماية المجتمع وصيانة الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها وعلى ضوء تلك الفتوى التاريخية جاءت الأنظمة الحازمة التي لا تعرف التساهل مع المهربين والمروجين والمستقبلين لأن آثار هذه الجريمة لا تقف عند شخص واحد، بل تمتد إلى أجيال بأكملها.
واليوم وبعد أكثر من أربعين عاماً تثبت الأيام أن ذلك القرار كان سابقاً لزمانه لأن المملكة أصبحت هدفاً دائماً لشبكات إجرامية عابرة للحدود تدرك أن هذا الوطن يمثِّل قلب العالم الإسلامي وأن ضرب شبابه هو الطريق الأخطر لاستهداف مستقبله ولذلك لم تتوقف محاولات التهريب يوماً ولم تتوقف في المقابل يقظة رجال الأمن يوماً.
ومن المؤلم أن يرى الإنسان كل هذه العقوبات وكل هذه البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية في تنفيذ الأحكام الشرعية بحق المهربين والمروجين والمستقبلين ثم يجد من يكرر الجريمة وكأن الطمع قد أعماه عن مصيره وكأن المال الحرام أنساه أن نهايته قد تكون على حد السيف وأنه قبل ذلك يحمل في عنقه أوزار كل شاب أفسده وكل أسرة شرّدها وكل أم أبكاها وكل أب أحرق قلبه على ابنه.
إن المهرب لا ينقل بضاعة، بل ينقل الموت، ولا يهرب سلعة، بل يهرب خراباً أخلاقياً واجتماعياً وأمنياً واقتصادياً، والمروج لا يبيع حبة، بل يبيع مستقبلاً كاملاً، والمستقبل لا يشتري السم لنفسه، وحدها، بل يفتح أبواب الجريمة والانهيار لكل من حوله.
ومن هنا فإن حماية الوطن ليست مسؤولية رجل الأمن وحده، بل هي مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمسجد وكل مواطن يرى في هذا الوطن بيته الكبير، فالإبلاغ عن المهربين والمروجين واجب وطني قبل أن يكون واجباً نظامياً، والوعي بخطر المخدرات خط الدفاع الأول الذي لا يقل أهمية عن الأسلحة والتقنيات الحديثة.
وسيظل هذا الوطن -بإذن الله- عصياً على كل من يحاول استهدافه لأن خلف حدوده رجالاً صدقوا الله فصدقهم، وخلف قيادته شعب يعرف قيمة الأمن ويدرك أن المعركة مع المخدرات ليست معركة ضد عصابة، بل معركة للدفاع عن وطن وعن دين وعن أجيال قادمة تستحق أن تعيش آمنة مطمئنة.
وفي كل مرة تعلن فيها وزارة الداخلية تنفيذ حكم الله في مهرب أو مروج أو مستقبل فإن الرسالة ليست انتقاماً من أحد، بل حماية لمجتمع كامل وإعلاناً واضحاً أن المملكة العربية السعودية لا تفاوض في أمنها ولا تساوم على مستقبل شبابها وأن كل من يختار أن يكون أداة في هذه الحرب سيجد أمامه دولة لا تعرف إلا الحزم والعدل، وسيبقى الوطن -بإذن الله- أقوى من كل المؤامرات، وأعظم من كل محاولات الاستهداف، لأن خلفه قيادة جعلت أمن الإنسان خطاً أحمرَ لا يسمح لأحد بتجاوزه.