بشاير الشريدة
التاريخ الذي لم يُكتب بعد: لماذا تحتاج المملكة إلى مشروع وطني لتوثيق التاريخ الشفهي للمرأة السعودية؟
حين نقرأ التاريخ الحقيقي لأي وطن فإنه لا يقتصر على ما كُتب في الوثائق، بل يمتد إلى ما بقي محفوظًا في صدور الناس. فهناك تاريخ آخر لا يزال حيًا في ذاكرة الأمهات والجدات، تاريخ لا يتحدث عن المعارك والقرارات فحسب، بل عن الحياة نفسها؛ عن الصبر، والجوع، والفرح، والخوف، والعمل، والتربية، والانتظار، وكل التفاصيل التي صنعت المجتمع كما نعرفه اليوم.
وقبل أن تنعم المملكة بما تعيشه اليوم من أمن واستقرار وتنمية، عاشت المرأة السعودية مراحل مختلفة من تاريخ الجزيرة العربية. عاصرت سنوات شح الموارد، وقسوة البيئة، والتنقل بحثًا عن الماء، والترحال، وتقلبات الحياة، وشهدت المراحل التي سبقت استقرار الدولة السعودية، وتحملت مسؤوليات جسيمة في غياب الرجال أثناء رحلات التجارة الطويلة، أو أعمال الكسب، أو خلال فترات الصراعات التي شهدتها المنطقة.
كانت هي من تحفظ استقرار الأسرة، وتدير شؤون المنزل، وتربي الأبناء، وتحلب الماشية، وتصنع الطعام، وتنسج الملابس، وتخزن المؤن، وتجلب الماء، وتحافظ على استمرار الحياة مهما كانت الظروف. كانت تدرك قيمة كل قطرة ماء، وتحسب قوت الأسرة لأيام طويلة، وتتعامل مع قسوة الحياة بصبرٍ أصبح جزءًا من شخصية المجتمع السعودي اليوم.
ولم تكن المرأة تواجه قسوة الطبيعة وحدها، بل واجهت أيضًا قسوة الفقد والانتظار. كانت تودع زوجها أو والدها أو أبناءها وهم يغادرون، وتنتظر الأخبار بقلق، وتتحمل مسؤولية البيت كاملة، وتواسي الأسر، وتحافظ على تماسك الحياة حتى تعود الطمأنينة. هذه المشاهد الإنسانية لا نجدها في كتب التاريخ، لكنها لا تزال محفوظة في ذاكرة كثير من النساء اللاتي عشنها أو سمعنها ممن سبقهن.
وفي ذلك الزمن، كانت المرأة أيضًا طبيبة قبل وجود المستشفيات، وقابلة قبل وجود أقسام الولادة، وخبيرة بالأعشاب قبل انتشار الطب الحديث.
كانت تحفظ أسماء النباتات، وتعرف استخداماتها، وترافق النساء أثناء الولادة داخل البيوت، وتعالج الجروح والحمى بما تراكم لديها من معرفة شعبية توارثتها الأجيال. واليوم، يختفي كثير من هذا الإرث برحيل من يحملنه، دون أن يُوثق أو يُدرس.
كما كانت المرأة الحافظة الأولى للهوية الاجتماعية. كانت تحفظ الأمثال، والأهازيج، والأشعار، والحكايات، وتروي للأبناء قصص الآباء والأجداد، وتنقل اللهجات والعادات والتقاليد جيلاً بعد جيل. ولم يكن الشعر بالنسبة إليها مجرد وسيلة للتعبير، بل كان سجلًا يوثق المشاعر والأحداث، ويحفظ أسماء الأشخاص، ويروي تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبحت القصيدة جزءًا من الذاكرة الوطنية.
وكان الزواج عالمًا قائمًا بذاته؛ بعاداته المختلفة من منطقة إلى أخرى، وبطقوسه، وأزيائه، وأغانيه، وأدوار النساء فيه. وكذلك كانت التربية، وأساليب إعداد الطعام، وإدارة المنزل، والحرف اليدوية، والضيافة، والأمثال الشعبية، وكلها تفاصيل تشكل اليوم ثروة ثقافية وإنسانية، لكنها مهددة بالاندثار إذا لم تُوثق.
ثم بدأت المملكة العربية السعودية تدخل مرحلة جديدة من تاريخها. توحدت البلاد، واستتب الأمن، وتوسعت المدن، وشُقت الطرق، ووصلت الكهرباء والمياه، وانتشرت الخدمات الصحية، وتطورت وسائل المعيشة، وتبدلت أنماط الحياة. وانتقلت المرأة السعودية من الولادة داخل المنزل إلى المستشفى، ومن العلاج بالأعشاب إلى الطب الحديث، ومن الأعمال التقليدية إلى المشاركة في التعليم، والعمل، وريادة الأعمال، والثقافة، والاقتصاد، وصناعة القرار.
كل هذه التحولات عاشها جيل واحد تقريبًا، وهذا ما يجعل الذاكرة الشفهية للمرأة السعودية كنزًا وطنيًا لا يقدر بثمن. فهناك نساء عشن القحط ثم الرخاء، وعشن البيوت البسيطة ثم المدن الحديثة، وعشن حياة تعتمد على المشافهة ثم شهدن الثورة الرقمية. إنهن يحملن في ذاكرتهم تاريخًا كاملًا لا يمكن أن تعوضه الوثائق الرسمية مهما بلغت دقتها.
لقد أثبت الباحث السعودي سعد الصويان أن الرواية الشفهية يمكن أن تتحول إلى مصدر تاريخي بالغ الأهمية عندما تُجمع وفق منهج علمي. فقد حفظ جانبًا مهمًا من ذاكرة الجزيرة العربية قبل أن يرحل رواتها، وقدم نموذجًا وطنيًا يستحق أن يُستكمل في مسار جديد، يكون محوره المرأة السعودية، بوصفها شريكًا أصيلًا في صناعة المجتمع وتحولاته.
واليوم، وبينما تعيش المملكة نهضة ثقافية غير مسبوقة، تبدو الفرصة مهيأة لإطلاق مشروع وطني شامل يحمل عنوان “التاريخ الشفهي للمرأة السعودية”، يكون هدفه تسجيل الروايات الشفهية للنساء في جميع مناطق المملكة، وحفظها في أرشيف وطني رقمي، يضم أصواتهن، ولهجاتهن، وتجاربهن، وذكرياتهن، قبل أن يرحل الجيل الذي عاش تلك المراحل.
ومن هنا، فإن هذه الفكرة ليست مجرد مبادرة ثقافية، بل مشروع وطني لحماية الذاكرة السعودية. ولذلك، فإنني آمل من معالي وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود أن يتبنى إطلاق هذا المشروع بالشراكة مع الجهات الثقافية والأكاديمية وهيئة التراث والجامعات، ليكون أحد المشاريع النوعية التي تحفظ جانبًا لم يُوثق بعد من تاريخ المملكة.
فكما نجحت المملكة في حفظ مواقعها التاريخية، وتوثيق تراثها العمراني، وصون فنونها الشعبية، فإن الوقت قد حان لحفظ أصوات النساء اللاتي عشن تلك المراحل، لأن الإنسان هو أعظم أثر يمكن أن يتركه التاريخ.
وربما بعد خمسين أو مئة عام، لن يبحث المؤرخون عن تاريخ بناء مدينة، أو افتتاح طريق، أو إنشاء مستشفى فحسب، بل سيبحثون عن المرأة التي عاشت تلك اللحظات، وكيف رأت التغيير بعينيها، وكيف أثّر في حياتها وأسرتها ومجتمعها. حينها ستكون تلك الروايات مصدرًا لا يقدّر بثمن، ليس لأنها تحفظ الماضي فقط، بل لأنها تمنح الأجيال القادمة فرصة لفهم الإنسان الذي صنع هذا الوطن.
إن التاريخ الذي لا يُوثق، لا يختفي لأنه غير مهم، بل لأنه انتظر طويلًا من ينصت إليه. ولعل الوقت قد حان لأن ننصت إلى ذاكرة المرأة السعودية، قبل أن تصبح جزءًا من الصمت.