د. ياسين علي محمد عزي
«المملكة العربية السعودية هي أكبر قصة نجاح في القرن الحادي والعشرين». بهذه العبارة الواثقة تحدث سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز-حفظه الله- واضعًا أمام العالم توصيفًا بدا في ظاهره جريئًا، لكنه في جوهره لم يكن سوى قراءة مبكرة لمسار وطن قرر أن يعيد تعريف علاقته بالمستقبل ذاته؛ مستقبل لا يُبنى بالانتظار، بل بالطموح، والكفاءة، والمعرفة، والقدرة على تحويل الرؤية إلى واقع.
ولم يكن التعليم العالي يومًا ملفًا هامشيًا في هذا المشروع الوطني الكبير، بل كان أحد رهاناته الأكثر عمقًا. فمنذ انطلاق رؤية السعودية 2030، بدا واضحًا أن الجامعة السعودية لم تعد مؤسسة وظيفتها التقليدية تعليم الطلاب ومنح الدرجات العلمية فحسب، بل أصبحت مطالبة بأن تكون جزءًا من اقتصاد المستقبل، ومنصة لإنتاج المعرفة، ومصنعًا لرأس المال البشري، وأحد أهم المؤشرات التي يُقاس بها حضور الوطن في خارطة التنافس العالمي.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تستهدف الرؤية أن يكون لدى المملكة ما لا يقل عن خمس جامعات ضمن أفضل مئتي جامعة عالميًا في التصنيفات الدولية. فهذا الهدف لم يكن مجرد رقم ورد في وثيقة وطنية، بل كان إعلانًا إستراتيجيًا مبكرًا بأن التعليم العالي السعودي دخل مرحلة جديدة، لم يعد النجاح فيها يُقاس بعدد الجامعات، بل بقدرتها على المنافسة وفق معايير يعترف بها العالم ويحترم نتائجها.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة نتائج تصنيف QS العالمي للجامعات لعام 2027، الذي شمل 1504 جامعات من 106 أنظمة تعليمية حول العالم، في مشهد يؤكد أن المنافسة الدولية في التعليم العالي لم تعد تعترف بتاريخ المؤسسة وحده، ولا بحجمها، ولا بعدد طلابها، بل بقدرتها على تحقيق مؤشرات دقيقة تشمل السمعة الأكاديمية، والاستشهادات العلمية، والتأثير البحثي، والانفتاح الدولي، وجودة المخرجات، والاستدامة المؤسسية.
وفي هذا المشهد العالمي، جاءت المملكة العربية السعودية بحضور يستحق التأمل والقراءة الجادة.
فقد حققت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن إنجازًا تاريخيًا بوصولها إلى المرتبة 63 عالميًا، فيما جاءت جامعة الملك سعود في المركز 107 عالميًا، وحلت جامعة الملك عبدالعزيز في المرتبة 200 عالميًا. وأصبحت بذلك ثلاث جامعات سعودية ضمن أفضل مئتي جامعة عالميًا في تصنيف QS لعام 2027، في مشهد يحمل دلالة تتجاوز التقدم الرقمي ذاته؛ دلالة تؤكد أن مستهدفات الرؤية لم تعد وعودًا مستقبلية مؤجلة، بل بدأت تتحول إلى حقائق تقرؤها المؤسسات الدولية بلغة الأرقام.
وتزداد أهمية هذه النتائج حين ندرك أن ما حدث هذا العام لم يكن مشهدًا سعوديًا منفصلًا، بل جزءًا من حركة عالمية واسعة أكدت أن التصنيفات الدولية لا تجامل أحدًا. ففي الدورة نفسها، تراجعت جامعات عريقة مثل جامعة ساوثهامبتون البريطانية، كما تراجعت جامعة تورونتو الكندية رغم مكانتها الدولية الراسخة، بينما استطاعت مؤسسات سعودية أخرى تحقيق تقدم لافت في التصنيف العالمي هذا العام. وهذه الصورة تؤكد حقيقة جوهرية: أن المنافسة العالمية لم تعد تعترف بعمر المؤسسة أو حجمها، بل بقدرتها المستمرة على تحويل إستراتيجيتها المؤسسية إلى نتائج قابلة للقياس.
هذه النتائج لا تمثل نجاحات جامعية معزولة، بل تعكس صدى مباشرًا لرؤية قيادة آمنت مبكرًا بأن المعرفة هي الثروة الأعمق، وأن الإنسان السعودي هو الرهان الأكبر، وأن الجامعات ليست مباني أو هياكل تنظيمية فحسب، بل مؤسسات وطنية يفترض أن تحول الدعم إلى أثر، والطموح إلى نتائج، والاستثمار إلى مكانة عالمية تليق بالمملكة.
لقد بلغت ميزانية التعليم في المملكة لعام 2026 نحو 202 مليار ريال، إلى جانب التوسع الكبير في برامج الابتعاث، ودعم البنية التحتية البحثية، وإنشاء مراكز التميز، وتعزيز استقلالية الجامعات وتطوير حوكمتها. وهذا الدعم لا يمكن النظر إليه بوصفه إنفاقًا تقليديًا، بل استثمارًا إستراتيجيًا في وطن قرر أن ينافس العالم بأبنائه ومؤسساته.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الكفاءات الوطنية التي أنجبتها برامج الابتعاث، واحتضنتها الجامعات، وصقلتها سنوات طويلة من الاستثمار في الإنسان السعودي. فالمشكلة اليوم لم تعد في غياب الكفاءات، ولا في ندرة العقول الوطنية المؤهلة، ولا في ضعف الإمكانات؛ فالجامعات السعودية اليوم تحتضن كفاءات أكاديمية وطنية عالية التأهيل، وتجارب بحثية واعدة، وخبرات نوعية صنعتها الدولة عبر عقود من الاستثمار طويل المدى في الإنسان.
لكن القراءة الأعمق لا تكمن فقط في الاحتفاء بمن تقدم، بل في فهم كيف تحقق هذا التقدم.
لقد كتبت سابقًا أن الجامعات لا تتشابه، ويبدو أن التصنيفات العالمية جاءت لتؤكد هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحًا. فالجامعات التي تقدمت لم تصل إلى هذه المواقع لأنها الأكبر حجمًا أو الأقدم عمرًا، بل لأنها امتلكت وضوحًا إستراتيجيًا في بناء ميزتها التنافسية.
فجامعة الملك فهد للبترول والمعادن لم تصل إلى هذه المكانة العالمية لأنها جامعة كبيرة فحسب، بل لأنها بنت نموذجًا نوعيًا عالي التخصص في مجالات الطاقة والهندسة والبحث التطبيقي. وجامعات سعودية أخرى حافظت على حضورها لأنها استثمرت بذكاء في البحث العلمي، والشراكات الدولية، وجودة المخرجات، وربط المعرفة باحتياجات الاقتصاد الوطني.
وهنا يكمن الدرس الأهم لبقية الجامعات: العالم لم يعد يكافئ المؤسسات المتشابهة، بل يكافئ المؤسسات التي تعرف من تكون، وأين تتميز، وما المجال الذي تريد أن تنافس فيه عالميًا.
وفي المقابل، فإن تعدد التصنيفات الدولية يمنح المؤسسات الأكاديمية فرصًا متنوعة لإبراز جوانب التميز التي حققتها، غير أن القيمة المؤسسية الحقيقية لا تكمن في الاحتفاء بالمؤشرات الإيجابية وحدها، بل في بناء ثقافة تنظيمية ناضجة تتعامل مع جميع النتائج، بما فيها تلك التي تكشف الحاجة إلى التطوير، باعتبارها فرصة للتعلم المؤسسي المستمر وإعادة بناء الأولويات.
فالجامعة الواثقة لا تقف عند الرقم الذي يمنحها مساحة للاحتفاء، بل تملك الشجاعة المؤسسية الكافية لقراءة الصورة كاملة، لأن التنافسية الحقيقية لا تُبنى عبر إعلان أفضل النتائج فقط، وإنما عبر القدرة المستمرة على تحسين المؤشرات التي لا تزال تحتاج إلى مراجعة وتطوير.
أما الجامعات التي لم تستطع الوصول إلى مواقع تتناسب مع حجم ما وفرته الدولة من دعم وتمكين، أو تلك التي لا تزال تواجه تحديات في بعض التصنيفات الدولية المؤثرة، فلا ينبغي أن تنظر إلى ذلك باعتباره إخفاقًا نهائيًا، لكنه بلا شك مؤشر مؤسسي يستحق مراجعة جادة. فعدم الظهور في تصنيف دولي مؤثر مثل QS، أو التراجع في بعض مؤشراته، لا يعني نهاية المسار، لكنه يعني أن المؤسسة مطالبة بأن تسأل نفسها بصدق ومسؤولية: هل تعكس خططنا الحالية حجم طموح الدولة؟ وهل استفدنا فعلًا من الكنز الحقيقي الذي نملكه، أعني أبناء الوطن الأكفاء الذين آمنت بهم الدولة، وابتعثتهم، واستثمرت فيهم، وراهنت عليهم؟
فالمملكة لم تبن هذا المشروع الوطني الضخم لكي تكتفي مؤسساتها التعليمية بالحضور المحلي، بل لكي تصبح جامعاتها جزءًا من المشهد المعرفي العالمي، وشريكًا مباشرًا في بناء اقتصاد المستقبل.
وفي وطن اختار أن ينافس العالم، فإن أقل ما يمكن أن تقدمه الجامعة السعودية هو أن تجعل التميز المؤسسي جزءًا أصيلًا من هويتها، وأن تتعامل مع التصنيفات الدولية بوصفها أدوات تعلم وتحسين مستمر، لا مجرد مناسبات موسمية للاحتفاء.
إن يقين هذه البلاد بقدرة أبنائها ومؤسساتها هو الذي صنع هذه المنجزات المتتابعة، وما تحقق حتى الآن يثبت أن الرهان كان في مكانه الصحيح.
لكن المستقبل لن يفسح مكانه إلا للجامعات التي قررت أن تكون على قدر هذا الرهان الوطني الكبير.
** **
- أكاديمي وكاتب