صالح الشادي
أقف أمام لوحة زيتية رسمت قبل ثلاثة قرون، وفجأة تجتاحني رعشة لا أملك تفسيرها. ليس لأن المنظر جميل، فالجمال وحده لا يخترق الروح بهذا العمق. بل لأنني أشعر أن ريشة الرسام كانت ترتجف لحظة وضع كل ضربة لون، وكأنه يبث فيها جزءاً من روحه المتعبة أو فرحته الجامحة.
في تلك اللحظة، أدرك أنني لست أمام عمل فني فحسب، بل أمام شاهد على لحظة وجود خالصة.
ثمة سر عظيم في تلك الأعمال التي تعبر القرون وكأنها ولدت للتو.
قصيدة قالها شاعر قبل ألف عام لا تزال تملك القدرة على أن تذرف دمعة من عين قارئها اليوم، ومقطوعة موسيقية صاغها عازف أعمى لا تزال تبعث السكينة في نفس من يستمع إليها. كيف يمكن لحبر على ورق، أو ألوان على قماش، أو نغمات في الهواء أن تحمل كل هذا القدر من المشاعر الحقيقية؟
الحقيقة أن الشعور وحده هو ما يمنح العمل الفني خلوده. فحين يرسم فنان لوحته وهو يشهد مأساة حقيقية، أو يكتب شاعر قصيدته وهو يعاني وجع الفراق، أو يدون موسيقي لحنه وهو يغرق في نشوة الحب، فإن تلك المشاعر لا تموت برحيلهم. إنها تتلبس العمل الفني كالروح تتلبس الجسد، وتظل تتنفس عبر الزمن.
أتدبر هذا الأمر فأندهش: كيف لخطوط وألوان أن تحمل حزناً عميقاً؟
كيف لنغمات أن تنقل إحباطاً أو أملاً؟
هناك فرق شاسع بين من ينظم الشعر لأنه يتقن الوزن والقافية، وبين من يبكيك بصدق جرحه.
هناك بون بعيد بين من يرسم لأنه يجيد التوزيع اللوني، وبين من يجبرك على مشاركته رؤيته للعالم.
هذا هو الفرق بين «صانع» و«مبدع»، بين «ناظم» و«شاعر»، بين «عازف» و«فنان».
في دهشتي، أتذكر موقفاً حدث لي في احد المعارض .
كنت أقف أمام لوحة لامرأة تبكي، ولون السماء خلفها رمادي ثقيل.
لم تكن اللوحة مشهورة، ولم يكن أسلوبها استثنائياً أو حتى متقناً .
لكن شيئاً ما جذبني إليها، شعرت أن حزن الرسام يتسرب إليّ كالضباب.
وقفت طويلاً، وتساءلت: هل كان هذا الرسام يودع حبيبته؟
هل كان يشهد حرباً؟
لا أعرف، لكني شعرت بوجع صادق، ومنذ ذلك اليوم وأنا أبحث في كل لوحة عن ذلك الصدق، عن تلك الرعشة التي لا تتأتى إلا لمن خُلق ليكون وعاءً للمشاعر، أداةً لنقل الأحاسيس عبر الزمان والمكان.
أحياناً أستمع إلى مقطوعة موسيقية قصيرة، بلا كلمات، بلا أوركسترا ضخمة، مجرد لحن بسيط تعزفه آلة واحدة، فأجد نفسي غارقاً في بحر من الحنين أو الفرح.
كيف تفعل النغمات ذلك؟
كيف تخترق جدار الزمن وتصل إلى أعماق النفس؟
إنه السر الذي لا يفقهه إلا من جربه بنفسه، السر الذي جعل بعض البشر يستطيعون «التنفس من خلال أعمالهم»، كما لو كانوا يتركون نبض قلوبهم مسجلاً في كل ضربة ريشة، كل حرف، كل نغمة.
أنا الذي أكتب الشعر وأتذوق الفن، أستطيع أن أميز بسهولة بين قصيدة كُتبت بدافع الرغبة في قول الشعر، وقصيدة كُتبت لأن الشاعر لم يستطع إلا أن يصرخ. الفرق كالفرق بين صورة فوتوغرافية جافة وبين لوحة تنبض بالحياة.
الأول يخبرك عن مشهد، والثاني يجعلك تعيش فيه. لقد مرت عصور، وتغيرت أذواق الناس، وتطورت وسائل التعبير، لكن بعض الأعمال الإبداعية ظلّت شابة، لا تشيخ مع الزمن.
كم من لوحة رسمت قبل خمسمئة عام لا تزال تضحكنا أو تبكينا؟
كم من قصيدة لا تزال تثير فينا الغضب أو السكينة؟ هذا هو العجب الأعظم: أن تنتقل مشاعر إنسان مات منذ زمن بعيد إلى قلبك أنت اليوم، وكأن لا فاصل من رماد السنين.
الفن الحقيقي ليس ما تراه عيناك أو تسمعه أذناك فحسب. إنه حكاية ممتدة، قد تخلق فيك تغييراً، قد تفتح في نفسك نافذة لم تكن تعلم بوجودها.
إنه هبة الخالق لمن خلقهم ليكونوا جسراً بين الأرواح عبر الأزمنة.
وحين أقف أمام عمل فني صادق، لا أشعر أنني أنظر إلى شيء، بل أشعر أن شيئاً ينظر إليّ من داخله، ويقول: «كنت هنا، شعرت بهذا، والآن أصبحت أنت جزءاً من حكايتي».
هل وصلكم ما أعنيه؟ أتمنى ذلك.