د. جمال الراوي
الشّخصيّةُ المُرتابةُ تتّصف بعدة صفات هي: المُبالغة في سوء الظّن، والحذر الشّديد من الآخرين، والتأثّر بانتقاداتهم، والإكثار من الجدل والخُصومة، وحُبّ السّيطرة والقيادة، والتّركيز على عيوب الآخرين وأخطائهم.
وصاحبُ هذه الشخصيّة يعيش في حالة يقظةٍ نفسيّةٍ دائمة، كأنّه يترقّب خطرًا خفيًّا في كلّ تصرّفٍ أو كلمةٍ تصدر من الآخرين.
فالنوايا في نظره ليست بريئة كما تبدو، والكلمات العابرة قد تحمل -في تقديره- معاني خفيّة، والإيماءات البسيطة قد تُفسَّر على أنّها سخرية أو تقليلٌ من الشأن.
ولهذا يميل إلى قراءة المواقف قراءةً متحفّظة، يغلُب عليها الشكّ والتأويل، أكثر من الثقة والاطمئنان.
ولا يعني ذلك أنّ صاحب الشخصية المرتابة يعيش دائمًا في صراعٍ ظاهر مع الناس، بل قد يبدو في كثيرٍ من الأحيان هادئًا متحفّظًا، قليل الإفصاح عن مشاعره، غير أنّ هذا الهدوء يخفي في داخله حساسيّةً مفرطة تجاه النقد أو التلميح أو الإشارة غير المباشرة.
فإذا شعر بأنّ كرامته قد مُسّت –ولو في وهمه– اشتدّ دفاعه عن نفسه، وكثُر جداله، وربما تحوّل الحوار معه إلى ساحةٍ من الاتهام المتبادل والاحتجاج المستمر.
ومن مظاهر هذه الشخصيّة أيضًا ميلها إلى التمسّك الشديد بآرائها، وصعوبة التراجع عنها، لأنّ الاعتراف بالخطأ قد يُفسَّر عندها على أنّه ضعفٌ أو هزيمة.
ولهذا يحرص صاحبها على حماية صورته الذهنيّة أمام الآخرين، فيُكثر من الدفاع عن مواقفه، ويستحضر أخطاء غيره ليوازن بها أيّ نقدٍ يوجَّه إليه.
وكثيرًا ما تنشأ هذه النزعة الارتيابيّة من تجارب سابقة تركت أثرًا عميقًا في النفس؛ كخيبة ثقةٍ أو تعرّضٍ للخداع أو الشعور المتكرّر بالظلم.
فبدل أن تبقى هذه التجارب مجرّد ذكرياتٍ مؤلمة، تتحوّل مع الزمن إلى عدسةٍ ينظر من خلالها الإنسان إلى العالم، فيرى فيه تهديدًا دائمًا، ويصبح الحذر عنده أسلوب حياةٍ لا يكاد يفارقه.
ومع مرور الوقت قد تُثقِل هذه الحالة صاحبها قبل أن تُثقِل من حوله؛ لأنّ الشكّ المستمر يستنزف طاقته النفسية، ويحرمه من الطمأنينة التي تنشأ من الثقة المتبادلة بين الناس.
كما أنّ الإفراط في تفسير أفعال الآخرين تفسيرًا سلبيًّا يفتح أبواب الخصومة، ويُضعف الروابط الاجتماعية التي تقوم أساسًا على قدرٍ من حسن الظن والتسامح.
أمّا حبُّ السيطرة والقيادة لدى أصحاب هذه الشخصيّة، فيمنحهم شعورًا بنوعٍ من الأمان النفسي؛ لأنّه يوهمهم بأنّهم يتحكّمون في مجريات الأمور، فلا يُفاجَؤون بما لا يريدون.
وأمّا تركيزهم على عيوب الآخرين وأخطائهم، فيعود إلى أنّ الشكّ يدفعهم إلى البحث المستمرّ عمّا يؤكّد ظنونهم، ومع مرور الوقت قد تتحوّل هذه النظرة إلى عادةٍ ذهنيّة تجعل صاحبها يرى الجوانب السلبيّة في الأشخاص أكثر ممّا يرى محاسنهم.
وتبقى صفةُ الجدل من أبرز ما يميّز هذه الشخصيّة؛ إذ قد تبدأ من ملاحظةٍ يسيرة أو خلافٍ عابر، ثم لا تلبث أن تتشعّب موضوعاته وتتسع دوائره.
وقد يستدعي صاحبُها أحداثًا قديمةً ومواقفَ مضت عليها السنون ليجعلها أدلّةً تؤيّد موقفه، وعندئذٍ لا يقف الأمر عند حدود النقاش، بل قد يتطوّر إلى خصومةٍ مستمرّة ووحشةٍ في العلاقات.
وقد أتيحت لي فرصةُ الاستماع إلى خلافٍ بين بعض الزملاء أو الأصدقاء، فلاحظتُ كيف كانت سمةُ الارتياب متجذّرةً في أحد أطرافه.
فقد كان يستحضر شواهدَ كثيرةً من الماضي البعيد، وكلّما خفّت حدّة النقاش أو قاربت المجادلة على الانتهاء، عاد إلى استدعاء وقائعَ أخرى ليبني عليها اتهاماتٍ جديدة.
وبعض تلك الوقائع لم يكن ثابتًا على الوجه الذي يذكره، أو كان قد أضفى عليها من التأويل ما جعلها تبدو مختلفةً عمّا كانت عليه في حقيقتها.
وكان الحوار يمتدّ أحيانًا ساعاتٍ طويلة، أحاول خلالها التدخّل لتخفيف حدّته أو إطفاء جذوته، غير أنّ الأمر كان يبدو عسيرًا؛ لأنّ وراء الكلمات شحنةً متراكمةً من الشكوك والظنون لم تجد طريقها بعد إلى التفريغ أو المعالجة.
ولهذا لم تكن المشكلة في موضوع الخلاف وحده، بل في تراكماتٍ نفسيّةٍ سابقة كانت تتغذّى من كلّ نقاشٍ جديد.
ولو تتبّعنا الجذور التي أسهمت في تشكّل هذه النزعة الارتيابيّة، لوجدنا أنّها كثيرًا ما تعود إلى تجارب مؤلمة مرّ بها الإنسان في حياته، أو إلى بيئةٍ سادتها الخصومات وضعفت فيها الثقة بين الناس.
ولذلك يحتاج صاحب هذه الشخصية إلى قدرٍ كبيرٍ من الطمأنينة والتفهّم حتى يستطيع أن يخفّف من حدّة شكّه ويستعيد ثقته بالآخرين.
ومع ذلك فإنّ هذه الشخصيّة لا تخلو من جوانب إيجابيّة إذا وُجِّهت توجيهًا متوازنًا؛ فالحذر المعتدل قد يحمي الإنسان من التسرّع، والانتباه للتفاصيل قد يجعله أكثر قدرةً على ملاحظة ما يغفل عنه غيره.
غير أنّ المشكلة لا تكمن في أصل الحذر، بل في تحوّله إلى شكٍّ دائمٍ يعكّر صفو العلاقات ويجعل الثقة أمرًا عسيرًا.
ومهما اشتدّت هذه النزعة الارتيابيّة في بعض النفوس، فإنّها تبقى –في الغالب– نتيجة خوفٍ داخليّ أكثر من كونها قوّةً حقيقيّة.
فالإنسان الذي يثق بنفسه وبالناس من حوله لا يحتاج إلى هذا القدر الكبير من التحفّز والشكّ.
أمّا النفس القلقة فإنّها ترى الأخطار في كلّ مكان، وتُفسّر المواقف تفسيرًا يثقلها قبل أن يثقل الآخرين.
ولهذا فإنّ الطريق إلى التخفّف من هذه الحالة يبدأ بإعادة بناء الثقة، لا بالآخرين فحسب، بل بالنفس أيضًا.
فكلّما اتّسعت في القلب مساحة الطمأنينة، خـفّ سلطان الشكّ، واستطاع الإنسان أن ينظر إلى الـناس بعينٍ أكثر إنصافًا، وأن يعيش معهم بروحٍ أقرب إلى السكينة والاعتدال.
فالناس -في نهاية المطاف- ليسوا أعداءً متربّصين كما يتصوّر العقل المرتاب، بل بشرٌ يخطئون ويصيبون، كما نخطئ نحن ونصيب.
وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة البسيطة، يصبح حسن الظنّ طريقًا إلى راحة النفس، كما يصبح العدل في الحكم على الآخرين علامةً من علامات نضجها واتّزانها.
ولهذا فإنّ علاج هذه النزعة لا يكون بإلغاء الحذر كلّيًا، بل بإعادة التوازن بينه وبين حسن الظن، وتعويد النفس على قراءة المواقف قراءةً أكثر هدوءًا وإنصافًا.
فالعلاقات الإنسانية لا تقوم على اليقين المطلق، بل على قدرٍ من الثقة المتبادلة التي تسمح للناس بأن يعيشوا معًا دون أن يتحوّل كلّ تصرّفٍ إلى موضع اتهام.
ويبقى التحدّي الأكبر أمام صاحب الشخصية المرتابة أن يتعلّم كيف يخفّف من صرامة أحكامه، وأن يمنح الآخرين فرصةً ليكونوا كما يظهرون، لا كما يتخيّلهم عقله القَلِق.
فكلّما اتّسعت مساحة حسن الظن، خفّ عبء الشكّ عن النفس، وازدادت قدرة الإنسان على العيش بسلامٍ مع نفسه ومع الناس من حوله.
وقد نبَّه القرآن الكريم إلى خطر الاستسلام للظنون والأوهام، فقال الله عز وجل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12].
فالأصل في العلاقات الإنسانية أن تُبنى على حسن الظن وسلامة الصدر، لا على التوجّس الدائم والبحث عن المعاني الخفيّة وراء كلّ كلمةٍ أو تصرّف.
ولذلك كان المسلم مأمورًا بأن يلتمس لإخوانه المعاذير، وأن يحمل كلامهم وأفعالهم على أحسن المحامل ما وجد إلى ذلك سبيلًا، لأنّ سوء الظنّ لا يفسد راحة النفس فحسب، بل يفسد كذلك روابط المودّة والثقة بين الناس.
وقد جرى على ألسنة الناس قولهم: «التمس لأخيك سبعين عذرًا»، وهي كلمةٌ حسنة المعنى، تُعبِّر عن أهمية إحسان الظن بالناس وعدم المبادرة إلى اتهامهم.
فكم من تصرّفٍ بدا في ظاهره مستغرَبًا، ثم ظهر بعد ذلك أن وراءه عذرًا أو ظرفًا لم يكن معلومًا.
ولذلك كان من الحكمة أن يمنح الإنسان الآخرين مساحةً من حسن الظن، وأن يتأنّى في إصدار الأحكام عليهم، فالتسرّع في الاتهام يورث الندم، أمّا التماس الأعذار فيُبقي للقلوب صفاءها وللعلاقات مودّتها.
والشخصية المرتابة كثيرًا ما تكون أقسى الناس حكمًا على الآخرين، وأشدّهم إرهاقًا لنفسها في الوقت نفسه؛ فهي لا تكتفي بحمل أعبائها الخاصة، بل تحمل معها أعباء الظنون والتأويلات والتوقّعات السلبية.
ولذلك فإنّ تحرّر الإنسان من سلطان الشكّ ليس إحسانًا إلى الآخرين فحسب، بل هو راحةٌ لقلبه قبل كلّ شيء.
وفي نهاية الأمر يبقى الفرق بين الشخصيّة المتّزنة والشخصيّة المرتابة واضحًا؛ فالأولى تنظر إلى الناس بعين الاعتدال والثقة الحذرة، أمّا الثانية فتنظر إليهم بعين الشكّ والخوف.
وبين هاتين النظرتين يتحدّد شكل العلاقات الإنسانيّة، إمّا تعاونًا ومودّةً وطمأنينة، وإمّا توتّرًا وخصومةً ووحشة.
وكلّما استطاع الإنسان أن يوازن بين الحذر المشروع وحسن الظن، كان أقرب إلى العدل في أحكامه، وإلى السكينة في نفسه، وإلى الامتثال لهدي القرآن الكريم الذي دعا إلى اجتناب الظنون وإحسان الظن بالناس.
فحسن الظن ليس سذاجةً كما يظنّ بعض الناس، كما أنّ الحذر ليس ارتيابًا دائمًا؛ وإنّما الحكمة أن يسير الإنسان بينهما على طريق الاعتدال، فلا يخدع نفسه بالثقة العمياء، ولا يعذّبها بالشكّ المستمر.