د. يحيى جابر
لقد أصبحت المعلومة وتداولها السريع من أخطر المؤثرات على عقل ومفهوم المتلقي والتصدي للمغلط منها أو المسيء، أحد أهم عناصر القوة الوطنية، فلم تعد معاركة الدول تقتصر على الحدود أو الاقتصاد، بل امتدت إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تُبنى الصورة الذهنية، وتُصاغ القناعات، وتُخاض معارك الوعي والتأثير، ومع تسارع تدفق المعلومات، وارتفاع حجم المحتوى المنشور يوميًا إلى مئات الملايين من الرسائل والمنشورات، باتت الشائعة قادرة على الانتشار خلال دقائق، وأصبحت المعلومة الموثقة تمثل خط الدفاع الأول عن أمن المجتمعات واستقرارها وسمعة الدول.
وفي المملكة العربية السعودية، أثبت الشباب أنهم يشكلون الركيزة الأساسية للإعلام الوطني الحديث، مستندين إلى التأهيل العلمي، والوعي الوطني، والاحتراف المهني، والالتزام بأخلاقيات العمل الإعلامي. وتشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء إلى أن المواطنين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما، يمثلون نحو 67 في المئة من إجمالي المواطنين، فيما تبلغ نسبة استخدام الشباب لمنصات التواصل الاجتماعي 98.34 في المئة، وهو ما يجعلهم القوة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام وصناعة المحتوى الإعلامي، «المصدر: الهيئة العامة للإحصاء، تقرير الشباب السعودي بالأرقام، الرياض، 2020م، ومسح تنمية الشباب السعودي، الرياض 2019م».
وفي المقابل، كشفت دراسة علمية أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية، ونشرتها مجلة العلوم عام 2018م، أن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي بسرعة تزيد بنحو 70 في المئة على الأخبار الصحيحة، وتصل إلى أعداد أكبر من المتلقين في وقت أقصر، وهو ما يؤكد أن المسؤولية الإعلامية لم تعد خيارًا مهنيًا فحسب، بل أصبحت واجبًا وطنيًا لحماية الحقيقة والحد من التضليل.
ومن هذا المنطلق، برز الشباب السعودي نموذجًا للإعلامي الواعي الذي لا يواجه الإساءة بالإساءة، ولا الشائعة بالشائعة، وإنما يواجهها بالمعلومة الدقيقة، والوثيقة الرسمية، والتحليل الموضوعي، ملتزمًا برسالة الإعلام القائمة على الصدقية والشفافية واحترام عقل المتلقي، وأصبح هذا النهج أحد أهم العوامل التي أسهمت في تعزيز مصداقية الإعلام السعودي، وترسيخ الثقة بالمحتوى الوطني، وإبراز صورة المملكة بوصفها دولة تعتمد الحقائق والشفافية في مخاطبة الرأي العام المحلي والدولي.
ولم يكن هذا الحضور الإعلامي للشباب السعودي وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استثمارات طويلة في التعليم، والابتعاث، والتدريب، والتحول الرقمي، وتمكين الكفاءات الوطنية، فقد أسهمت رؤية المملكة في تطوير البيئة الإعلامية، ورفع كفاءة المؤسسات، وإيجاد فرص واسعة أمام الشباب للعمل في الصحافة، والإذاعة، والتلفزيون، والإعلام الرقمي، وإنتاج المحتوى، وتحليل البيانات، والاتصال المؤسسي، والعلاقات العامة، الأمر الذي عزز حضورهم في مختلف المنصات الإعلامية.
وتشير بيانات وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية إلى استمرار ارتفاع مشاركة الشباب في سوق العمل، فيما أكدت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام أن قطاع الإعلام والترفيه يعد من القطاعات الواعدة التي تشهد نموًا متسارعًا في حجم الاستثمارات والوظائف، مع تزايد الطلب على الكفاءات الوطنية المؤهلة في مجالات التحرير الصحفي، والإنتاج المرئي، وصناعة المحتوى، والتسويق الإعلامي، وتحليل البيانات الرقمية، «المصدر: الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، تقرير حالة الإعلام السعودي وفرص الاستثمار، الرياض، 2019م».
وأصبح الإعلامي السعودي الشاب أكثر إدراكًا بأن الدفاع عن الوطن لا يتحقق بالمبالغة أو الانفعال، وإنما بالالتزام بالحقائق، وسرعة الوصول إلى المعلومة الصحيحة، والرجوع إلى المصادر الرسمية، واحترام أخلاقيات المهنة، وهذا النهج عزز من موثوقية الخطاب الإعلامي السعودي، ورسخ صورة المملكة بوصفها دولة تتعامل مع الأحداث بشفافية ومسؤولية، وعند وقوع الأزمات أو تداول الشائعات، يبرز دور الشباب في التحقق من المعلومات قبل إعادة نشرها، والاعتماد على البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية، وتفنيد الادعاءات بالأرقام والوثائق، وقد أثبتت التجارب أن سرعة نشر المعلومة الصحيحة تقلل من فرص انتشار الأخبار المضللة، وتحافظ على ثقة المجتمع بالمؤسسات الوطنية.
كما أسهم آلاف الشباب السعودي في إنتاج محتوى نوعي يبرز النجاحات الوطنية في الاقتصاد، والسياحة، والثقافة، والرياضة، والابتكار، والبيئة، والعمل الإنساني، مما ساعد على نقل صورة واقعية عن المملكة إلى الجمهور المحلي والدولي، وتشير وزارة السياحة إلى أن المملكة استقبلت أكثر من 100 مليون سائح خلال عام 2023م، وهو رقم وجد صدى واسعًا في المحتوى الإعلامي الذي قدمه الشباب عبر مختلف المنصات، «المصدر: وزارة السياحة، التقرير السنوي لقطاع السياحة، الرياض، 2024م».
ولا يقتصر تأثير الإعلام الوطني على نقل الخبر، بل يمتد إلى ترسيخ قيم الانتماء، وتعزيز الهوية الوطنية، ونشر ثقافة المسؤولية المجتمعية، ولذلك أصبح الإعلامي السعودي شريكًا في التنمية، يسهم في رفع الوعي، وإبراز الإنجازات، وتشجيع المبادرات، ونقل التجارب الناجحة، وفق معايير مهنية تراعي الدقة، والإنصاف، والتوازن.
وأكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أن التربية الإعلامية والمعلوماتية تمثل إحدى أهم الوسائل لبناء مجتمعات أكثر قدرة على مقاومة التضليل الإعلامي، وهو ما يتوافق مع الجهود السعودية في نشر ثقافة التحقق، وتعزيز الوعي الرقمي، ورفع كفاءة الإعلام الوطني، «المصدر: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، إطار الكفاءات في التربية الإعلامية والمعلوماتية، باريس».
إن الشباب السعودي اليوم لا يدافع عن وطنه بالشعارات، بل بالعلم، والمعرفة، والالتزام المهني، والقدرة على إنتاج محتوى موثوق يواجه الشائعة بالحقيقة، ويرد على الإساءة بالدليل، ويعكس للعالم صورة المملكة كما هي؛ دولة تنموية حديثة، يقودها شباب مؤمنون بأن الكلمة الصادقة مسؤولية، وأن المصداقية هي الأساس الذي يُبنى عليه الإعلام الناجح، وأن حماية سمعة الوطن تبدأ من تحري الحقيقة قبل نشرها، ومن احترام عقل المتلقي، ومن تقديم المصلحة الوطنية وفق أعلى المعايير المهنية والأخلاقية.