جانبي فروقة
في ورشةٍ هادئة بمدينة أمستردام جلس فريقٌ من المهندسين أمام عمّال بناءٍ مخضرمين وطرحوا عليهم سؤالاً يبدو بسيطاً وهو: كيف تبني جداراً متيناً؟ لم يحصلوا على إجابةٍ كاملة حيث كان البنّاؤون يكتفون بعبارةٍ واحدة تتكرّر «هكذا تعلّمتُ أن أفعلها دائماً» وطبعا لم يكونوا يراوغون ولا يُخفون سرّاً مهنياً بل كانوا ببساطة يعرفون أكثر مما يقدرون على قوله وهذه ليست مفارقةً عابرة بل هي لبّ أصعب تحدٍّ يواجه الذكاء الاصطناعي اليوم، ونستذكر هنا قول الفيلسوف مايكل بولاني لهذه الحالة عبارته الشهيرة قبل أكثر من ستين عاماً: «نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول» فنحن نتعرّف على وجه صديق بين ألف وجه لكننا نعجز عن وصف كيف نفعل ذلك وكما نقود السيارة ونحفظ توازننا على الدرّاجة دون أن نملك القدرة على تحويل تلك الخبرة إلى قواعد مكتوبة، و هذا ما يدعوه الخبراء بالـ «المعرفة الضمنية» (Tacit Knowledge) و هي ما يجعل الموظف المخضرم عصيّاً على التعويض اليوم، والمفارقة أنّ المؤسسات تجلس على جبلٍ منها وهي لا تدري فبعض الدراسات تقدّر أنّ نحو 70 إلى 80 في المئة من معرفة المنظمة غير مكتوبة و تعيش في رؤوس الناس غير مخزنة في ملفّاتها، وهنا يقع التحوّل الكبير فلعقودٍ ظننّا أن تعليم الآلة يعني تلقينها القواعد إذا حدث كذا فافعل كذا، و لكنّ الذكاء الاصطناعي الحديث انتقل من التلقين إلى الملاحظة ومن «أخبرني كيف» إلى «دعني أراك تفعل» وهذا الانتقال يفتح أربعة أبوابٍ يتسلّل منها الذكاء الاصطناعي إلى خبرة البشر فلنطرقها واحداً تلو الآخر.
فأما الباب الأول، هو البيانات نفسها حيث تشير أحدث تقديرات IDC إلى أن حجم البيانات العالمية تجاوز 150 زيتابايت بعد أن بلغ نحو 129 زيتابايت في عام 2023 ومن المتوقع أن يقترب من 400 زيتابايت بحلول عام 2028 (و للعلم فإن الزيتابايت الواحد هو مليار تيرا بايت).
هناك كثيرٌ من المعرفة الضمنية مدفونٌ أصلاً في ما ننتجه، فمجموعةٌ من النصوص التسويقية لعلامةٍ تجارية تختزن حُكم المؤسسة وذوقها دون أن يكتبهما أحد و يقول إنريكي إيدي، من كلية إيسي IESE للأعمال إنّ إحدى السمات المميّزة للذكاء الاصطناعي هي قدرته على اكتشاف أنماطٍ في البيانات يعجز البشر عن وصفها فمن التعرّف على الوجوه إلى الشطرنج أتقن الذكاء الاصطناعي مهاراتٍ لم تُلقَّن له صراحةً قط، و خير مثال هو كيف طورت شركة «سيلونيس» الألمانية تقنية تُعرف بـ»تنقيب العمليات» (Process Mining) حيث تربط بيانات أنظمة المؤسسة المختلفة لتكشف كيف تُنفَّذ عمليات الفواتير والمشتريات فعلياً داخل الشركة، وليس كما هي موثقة في الأدلة والإجراءات الرسمية، وبهذا تستطيع اكتشاف الاختناقات والتأخير والأخطاء والانحرافات عن المسار المثالي مما يساعد المؤسسات على تحسين الكفاءة واتخاذ قرارات أكثر دقة لكنّ البيانات وحدها لا تكفي حين تكون التفاصيل هي الجوهر؛ فالجدار المبنيّ يختزن خبرة البنّاء غير أنّ التحديق في ألف جدارٍ لن يعلّمك كيف تبنيه وهنا يأتي الباب الثاني وهو الملاحظة الدقيقة، فشركة «مونيومنتال» (Monumental AI) الهولندية الناشئة التي تستخدم روبوتاتٍ لرصف الطوب والتي جمعت 25 مليون دولار في عام 2024 صوّرت البنّائين ساعاتٍ طويلة فرأت ما عجزوا هم عن قوله حيث أنهم كانوا يهزّون أيديهم هزّةً خفيفة لحظة ضغط الطوب في الملاط فيتسرّب الملاط إلى مسامّ الطوب ويشتدّ الالتصاق فصمّمت الشركة روبوتاتها لتقلّد تلك الرعشة الصغيرة فالخبرة التي استعصت على اللسان أفصح عنها الفيديو وهنا في منتصف الطريق يتوجّب أن نتوقّف ونسأل إذا كانت خبرتُك تعيش في حركة يدك وفي حدسٍ لا تستطيع شرحه فمن يملكها حين تنتقل إلى الآلة؟ هل المهارة التي راكمتها في ثلاثين عاماً ملكٌ لك أم لشركةٍ صوّرتك أم لنموذجٍ تعلّمها في ثوانٍ؟ لم يعد هذا سؤالاً فلسفياً ترفياً بل صار محلّ نزاع.
والباب الثالث، هو المراقبة وهو أكثرها حساسية فمركز خدمة العملاء يفيض ببياناتٍ جاهزة حيث إن المكالمات مسجّلة والشاشات مراقَبة لكن الطريق إلى هذه المعرفة ليس سهلاً فعندما حاولت «ميتا» Meta جمع مزيد من بيانات العمل لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي واجهت اعتراضاً من موظفيها وتوصلت دراسة أجرتها دانيال لي من معهد MIT ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن العاملين يدركون أن كثيراً من خبراتهم لا تزال ملكاً لهم وليست مخزنة في أنظمة الشركة وعندما علم المشاركون أن بياناتهم قد تُستخدم لتدريب الذكاء الاصطناعي تراجعت رغبتهم في مشاركتها فالمعرفة ليست مجرد بيانات بل مصدر قوة ومن يعرف قيمتها لا يتخلى عنها بسهولة.
والباب الرابع، هو التقييم فبعض المهامّ يسهل التحقّق منها الشيفرة البرمجية إمّا أن تعمل أو لا لكنّ مهامّ أخرى أشدّ ضبابية هل التصميم جميل؟ هل أُنجز البحث على نحوٍ جيد؟ هنا يتدخّل الخبراء البشر ليقيّموا أداء النموذج فيُصقَل تدريجياً حتى يطابق معاييرهم هذه هي فكرة «التعلّم المعزَّز من التغذية الراجعة البشرية» (RLHF) وهي التي صنعت ChatGPT «تشات جي بي تي» ولعل أبرز الأدلة على أهمية الخبرة البشرية ما كشفته تجربة InstructGPT من أوبن إيه آي (Open AI) فقد فضّل المقيمون إجابات نموذج صغير يضم 1.3 مليار معامل بعد تدريبه على ملاحظات وتفضيلات البشر على إجابات نموذج عملاق يضم 175 مليار معامل لم يخضع لهذا النوع من التدريب، وقد كانت الرسالة واضحة وهي لم يكن التفوق في حجم النموذج بل في جودة التوجيه البشري الذي علّمه كيف يفكر ويجيب بما يتوافق مع توقعات الإنسان ولا تظن أن كل هذا مجرد تنظير بعيد عن الواقع ففي دراسة «الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل» التي شاركت فيها الباحثة دانيال لي ارتفعت إنتاجية الموظفين بنحو 15 % في المتوسط بعد استخدام مساعد ذكي.
والمفارقة أن أكبر المكاسب لم تكن من نصيب الخبراء بل من نصيب الأقل خبرة لأن النموذج نقل إليهم خلاصة المعرفة المتراكمة لدى أفضل العاملين أما الخبراء فكانت استفادتهم محدودة بل انخفضت جودة أدائهم في بعض الحالات وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص الذكاء الاصطناعي فهو لا يضيف المعرفة فحسب بل يعيد توزيعها فيقرّب المبتدئ من الخبير أسرع من أي وسيلة عرفناها من قبل، ولعل ما يفاقم القلق أن هذه المعرفة كانت تنتقل عبر التاريخ من إنسان إلى إنسان وقد وصف الباحثان اليابانيان إيكوجيرو نوناكا وهيروتاكا تاكيوتشي هذا المسار بالتنشئة حيث يتعلم الصبي الحرفة بالوقوف إلى جانب المعلم سنوات طويلة يقلد ويخطئ ويصحح له حتى تتسرب الخبرة إليه من غير كلمات فإن اختصر النموذج هذا الطريق الطويل ربحنا السرعة وخسرنا ربما المدرسة الصامتة التي كانت تصنع المعلم نفسه.
ويبقى السؤال الذي لا تملك الآلةُ إجابته وهو حين تتعلّم الآلات أكثر فأكثر من تجربتنا فكيف سيكتسب البشرُ تلك التجربة أصلاً؟ فالمهارة التي وُلدت من سنواتٍ من المحاولة والخطأ إن صار النموذج يؤدّيها بدلاً منّا فمن أين سيأتي المخضرم القادم؟ نحن نعلّم الآلة أن تعرف ما لا نقوله وقد ننسى نحن في الطريق كيف نعرفه و لكن اليوم تسطع حقيقة أن من يملك البيانات فهو يملك الماضي و من يملك المعرفة يفهم الحاضر و من يحول المعرفة إلى قرار يملك المستقبل.