د. عبدالمحسن الرحيمي
لم تعد المعرفة في القرن الحادي والعشرين مورداً نادراً كما كانت في السابق. فالمكتبات الرقمية وقواعد البيانات العلمية والمنصات البحثية العالمية جعلت الوصول إلى المعرفة أكثر سهولة من أي وقت مضى، وأصبح الباحث في أي جامعة حول العالم قادراً على الوصول إلى قدر هائل من المعلومات التي كانت قبل عقود حكراً على مؤسسات محدودة. غير أن الندرة لم تختفِ، بل انتقلت إلى مكان آخر. لم تعد القيمة في امتلاك المعرفة، وإنما في الوصول إلى المعرفة الجديدة قبل أن تتحول إلى معرفة عامة متاحة للجميع، وفي القدرة على فهم دلالاتها الاقتصادية والتقنية قبل أن تصبح واقعاً تفرضه الأسواق على الجميع.
ولم يكن تدفق المليارات نحو بعض الجامعات العالمية حدثاً عابراً أو نتيجة لمكانة أكاديمية فحسب، بل انعكاساً لتحول أعمق في نظرة رأس المال إلى المعرفة. فالشركات الكبرى لا تخصص مليارات الدولارات للشراكات البحثية والبرامج العلمية والكراسي الأكاديمية لأنها تحتاج إلى مزيد من المعلومات، كما أنها لا تمول المختبرات الجامعية بدافع الإعجاب بالبحث العلمي أو المسؤولية الاجتماعية وحدها. ما تدركه هذه الشركات أن التحولات الاقتصادية والتقنية التي ستعيد تشكيل الأسواق خلال السنوات والعقود القادمة لا تبدأ عندما تصل المنتجات إلى المستهلكين، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات داخل البيئات العلمية التي تتولَّد فيها الأسئلة الجديدة، وتتشكَّل فيها الأفكار الأولى، وتظهر فيها الاكتشافات التي قد تتحول لاحقاً إلى تقنيات أو صناعات أو قطاعات اقتصادية كاملة.
فعندما تمول شركة دوائية مركزاً بحثياً داخل جامعة مرموقة، فإنها لا تشتري ورقة علمية إضافية، بل تحاول الاقتراب من الاكتشافات التي قد تغير مستقبل الرعاية الصحية خلال السنوات القادمة. وعندما تبني شركة تقنية شراكة إستراتيجية مع جامعة رائدة، فإنها لا تبحث عن حضور إعلامي أو علاقة مؤسسية عابرة، بل تبحث عن الأفكار التي لم تتحول بعد إلى منتجات، وعن التقنيات التي لم تصل بعد إلى المنافسين، وعن التحولات التي قد تعيد رسم خريطة السوق العالمي خلال العقد القادم. وما تشتريه هذه الشركات في الحقيقة ليس المعرفة ذاتها، وإنما الزمن؛ أي القدرة على الاقتراب من الفكرة وهي ما زالت في طور التكوين، ومن التقنية قبل أن تصبح صناعة، ومن الفرصة قبل أن تتحول إلى سوق.
ولهذا أصبحت بعض الجامعات العالمية جزءاً من المنظومة الاقتصادية ذاتها، لا مجرد مؤسسات تعليمية تقع على هامشها. فالجامعة في كثير من الاقتصادات المتقدمة لم تعد المكان الذي تُدرَّس فيه المعرفة فحسب، بل المكان الذي تتشكل فيه المعرفة التي سيُبنى عليها الاقتصاد بعد عقد أو عقدين. وفي هذه البيئة يلتقي الباحث الذي يسعى إلى اكتشاف جديد، والمستثمر الذي يبحث عن فرصة لم تتشكل بعد، ورائد الأعمال الذي يحاول تحويل الفكرة إلى مشروع، والشركة التي تدرك أن قدرتها على المنافسة مستقبلاً قد تتحدد اليوم داخل مختبر جامعي أو مركز بحثي متخصص.
ولا يرى المستثمر في هذه الجامعات قاعات دراسية أو مباني أكاديمية أو تصنيفات دولية فقط، بل يرى منظومة قادرة على إنتاج أفكار جديدة، وأفكاراً يمكن أن تتحول إلى تقنيات، وتقنيات يمكن أن تتحول إلى شركات، وشركات يمكن أن تخلق أسواقاً وفرصاً لم تكن موجودة من قبل. وبين الفكرة والسوق تتكون القيمة التي يبحث عنها رأس المال، وتتشكل الأسباب التي جعلت بعض الجامعات العالمية تستقطب استثمارات وشراكات يتجاوز أثرها حدود التعليم إلى الاقتصاد والتقنية والصناعة.
لا تبدو المملكة العربية السعودية اليوم في موقع الباحث عن بناء البنية الأساسية للمعرفة كما كان الحال في مراحل سابقة، فقد شهدت الجامعات السعودية توسعاً ملحوظاً في قدراتها البحثية، وتطورت البنية التحتية الرقمية بصورة كبيرة، وتزايد الإنفاق على البحث والتطوير، وظهرت شركات وطنية وصناديق استثمارية تمتلك القدرة على التأثير إقليمياً وعالمياً. ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد كيف نبني الممكنات، بل كيف نحول هذه الممكنات إلى منظومة قادرة على إنتاج قيمة اقتصادية مستدامة.
وربما لا تكمن الفجوة بين بعض الجامعات العالمية وغيرها في حجم الموارد أو عدد الباحثين أو قيمة الإنفاق، بقدر ما تكمن في طبيعة العلاقة بين الجامعة والاقتصاد. فحين تصبح الجامعة جزءاً من دورة إنتاج القيمة، وجزءاً من حركة الاستثمار، وجزءاً من صناعة المستقبل، يبدأ رأس المال في النظر إليها بوصفها شريكاً استراتيجياً لا مؤسسة أكاديمية فحسب. وحين تصبح الأسئلة العلمية مدخلاً لحلول اقتصادية، وتصبح المختبرات مساحات لتوليد الفرص، وتتحول الشراكات البحثية إلى مسارات لبناء صناعات جديدة، تبدأ الجامعة في أداء دور يتجاوز التعليم إلى الإسهام المباشر في تشكيل الاقتصاد الوطني.
لم تُبنَ التجربة السعودية على وفرة الموارد وحدها، بل على القدرة على تحويل الموارد إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى فرص، والفرص إلى قيمة مضافة. وهذه الفكرة ذاتها هي التي تحكم اقتصادات المعرفة اليوم. فالقيمة لا تنشأ من وجود الجامعة أو رأس المال أو الشركات أو المواهب كلٌ على حدة، وإنما من القدرة على جمع هذه العناصر داخل منظومة واحدة تجعل المعرفة أكثر قرباً من التطبيق، والاستثمار أكثر قرباً من الابتكار، والاقتصاد أكثر قدرة على الاستفادة من مخرجات العلم والبحث والتطوير.
في عالم أصبحت فيه المعرفة أقرب إلى الجميع من أي وقت مضى، لم تعد الميزة الحقيقية في امتلاك المعرفة، بل في الوصول إليها قبل الآخرين، وفهم إمكاناتها قبل أن تتضح، وتحويلها إلى قيمة قبل أن تصبح معرفة عامة متاحة للجميع. ولهذا لم تعد الجامعات في الاقتصادات المتقدمة مؤسسات للتعليم فقط، بل أصبحت جزءاً من البنية التي يُصنع فيها المستقبل. وعندما تنجح الجامعة في أداء هذا الدور، فإنها لا تضيف إلى منظومة التعليم فحسب، بل تضيف إلى الاقتصاد الوطني مورداً استراتيجياً متجدداً، وتتحول من مؤسسة تمنح الشهادات إلى أصل وطني منتج للقيمة.