د. رانيا القرعاوي
منذ أن دخلت كلية الصحافة، كانت الدراسات تتحدث عن تراجع اهتمام الشباب بالأخبار، وكنا نناقش في قاعات الدراسة سؤالًا يتكرر باستمرار: هل يفقد الإعلام جمهوره الجديد؟ وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا في العمل الاتصالي، أجد أن السؤال ما زال حاضرًا، لكن الإجابة أصبحت أوضح من أي وقت مضى.
فقد كشف تقرير Reuters Institute Digital News Report 2026، الذي شمل قرابة مئة ألف مشارك في 48 دولة، أن المنصات الاجتماعية وشبكات الفيديو أصبحت، ولأول مرة، المصدر الأول للوصول إلى الأخبار عالميًا، متجاوزة المواقع الإخبارية والتلفزيون. كما أظهر أن الشباب بين 18 و24 عامًا يعتمدون على تيك توك وإنستغرام ويوتيوب أكثر من المنصات الإخبارية التقليدية، وأنهم يفضلون متابعة صنَّاع المحتوى الأفراد أكثر من العلامات الإعلامية في كثير من الأحيان. والأهم أن التقرير لم يقل إن الشباب لا يريدون الأخبار، بل أوضح أنهم يريدونها بطريقة مختلفة؛ أكثر قربًا، وأكثر بساطة، وأكثر ارتباطًا بحياتهم اليومية. وهنا أدركت أن المشكلة لم تكن يومًا في الشباب، بل في الطريقة التي ما زلنا ننتج بها الأخبار.
فالخبر سيظل جزءًا من حياة الإنسان، لأن الفضول غريزة، ومعرفة ما يحدث حولنا حاجة يومية. لكن ما تغير هو طريقة وصوله إلى الجمهور. فجيل اليوم لا ينتظر نشرة الثامنة، ولا يفتح موقعًا إخباريًا ليقرأ بيانًا من ألف كلمة، بل يصله الخبر عبر فيديو قصير، أو قصة إنسانية، أو صانع محتوى يشرح الحدث بلغة يفهمها.
وهنا يقع كثير من مسؤولي الاتصال في الخطأ. فما زال البعض يعتقد أن نشر البيان الصحفي، ثم إعادة نشره في منصات التواصل، يعني أنه أوصل رسالته. بينما الحقيقة أن المنصة تغيّرت، لكن المحتوى لم يتغير. ولعل المتاحف تقدم اليوم درسًا مهمًا في هذا المجال، فلم تعد المتاحف الناجحة تكتفي بالإعلان عن معرض جديد أو قطعة نادرة، بل تصنع قصة كاملة حولها؛ تنقل الزائر إلى الكواليس، وتجعله جزءًا من التجربة. إنها تقدم المعرفة بالطريقة التي يستهلك بها الجيل الجديد المحتوى، لا بالطريقة التي اعتادت المؤسسات تقديمها.
وهذا ما يحتاجه الإعلام المؤسسي اليوم.
فإذا أرادت جهة حكومية أو متحف جديد كمتحف الذهب الأسود الذي اكتفى بخبر افتتاحه دون أي برامج او قصص عن الأشخاص الذين عملوا عليه؟ ما التحديات؟ ماذا تغير في حياة المستفيد؟ وما القصة التي لم تُكتب في البيان الصحفي؟
الشباب لا يبحثون عن البيانات، بل عن القصص. لا يتفاعلون مع العناوين الجامدة، بل مع المحتوى الذي يشعرون أنه يخاطبهم ويمنحهم تجربة، لا مجرد معلومة.
لذلك، فإن مسؤول الاتصال لم يعد مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح مصممًا لتجربة المعرفة. ومؤشرات النجاح لم تعد تقاس بعدد البيانات المنشورة، وإنما بقدرة المؤسسة على تحويل المعلومات إلى محتوى يُشاهَد، ويُشارك، ويُتذكر.
الإعلام السنع لا يطارد المنصات الجديدة، بل يفهم كيف تفكر الأجيال الجديدة. فالمعركة ليست على الخبر، وإنما على الطريقة التي يُروى بها. ومن ينجح في سرد القصة، هو من سيكسب انتباه الجمهور، مهما تغيرت المنصات، ومهما تبدلت الأجيال.