م. بدر بن ناصر الحمدان
لا يمكنك مغادرة «العُذَيبات»، أو أن تُغادر ذاكرتُك دون أن تترك بداخلك أثرًا وجدانيًّا عميقًا. مكانٌ يصعب تفسيره، أو فهمه، وحتى اكتشافه؛ لا تملك إلا أن تتشبث به، وكأن جزءًا منك اختار أن يبقى فيه. مكانٌ يختبر قدرتك على إدراك المكان، وقراءة التفاصيل، والخوض في غمار فلسفةٍ باذخةٍ في صناعة المعنى.
الحديث عن «بيت العُذَيبات» ليس حديثًا عن مجرد بناءٍ، بل عن قصة مزرعةٍ، ومسكنٍ، وطبيعةٍ في الجهة الغربية من وادي حنيفة، أُعيد تقديمها كتجربةٍ معماريةٍ أخّاذة، آسرة، ومترفة؛ وكعمارةٍ فريدةٍ اسمها «العُذَيبات»، قدَّمها الأمير سلطان بن سلمان، بدءًا من عام 1987م، نتاجًا لتجربةٍ فريدةٍ ومُلهمةٍ لحيِّزٍ مكانيٍّ تكوَّن من مبنى واحدٍ ذي شكلٍ رباعيٍّ متوازن، يرتفع دورًا واحدًا، ويتألّف من حزامٍ من الغرف يحيط بالفناء الداخلي، وسط واحةٍ من النخيل، بُني وفق مقياسٍ معماريٍّ قادرٍ على احتواء أشكال التعبير الإنساني، والتفاعل مع احتياجاته.
لا يكمن تفرّد عمارة العُذَيبات في نمطها المعماري، ولا في سمات تخطيطها وبنائها فحسب، بل في سياق الرحلة التي شكّلت تلك التجربة، وفي لغة العمارة التي ترجمت شغف مالكها، وخاطب بها الآخرين، وفي الأشخاص الذين عملوا معه وأودعوا فيها شيئًا من أرواحهم، وفي الساعات التي قضوها في استعادة المكان، وفي التحوّل الذي طرأ على ثقافة الحفاظ والترميم، وفي الذكريات التي رافقت الأيدي التي شيدتها، وتناقلها رُواتها، حتى غدت العُذَيبات على ما هي عليه اليوم.
العُذَيبات... تجربةٌ بدأت ولم تنتهِ.