منصور بن صالح العُمري
تخيّل أنك غبت في سفر طويل، أو أغلقت عيناك عن الدنيا لبرهة، ثم عُدت لتفتح جوالك. تلك الشاشة الصغيرة تمتلئ فجأة بمئات التنبيهات والرسائل؛ مابين بشارة تسرك، وعتاب يوقظك، وخبر يُفزعك. يدق قلبك مع كل إشعار، وتتسارع أنفاسك وأنت تقرأ. هذا المشهد الدنيوي المألوف ليس إلا ظلاً باهتاً لمشهد أعظم ينتظرنا جميعاً.
يوم تنتهي غيبوبة الموت، وتستيقظ على نفخة الصور. يوم تُفتح الصحيفة التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها، تلك هي الشاشة الحقيقية التي عُمرها عمرك كله، ورسائلها هي كل كلمة، وكل نظرة، وكل خطوة مشيتها.
«وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا»
سيكون هناك ذهول حقيقي من دقة الإحصاء. لن يكون هناك مجال لرسالة فُقدت، أو مكالمة لم تُسجّل. كل شيء هاهنا مُثبت وموثق.
«وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا * وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا»
فمن الناس من يفتح صحيفته فيرى رسائل الطاعات، وبشارات القبول، والذكر الخفي، والصدقة التي نسيها. يرى حسناته تتلألأ أمامه، فيملأ الكون فرحاً وفخراً، وينادي على الملأ ليروا معه هذا الإنجاز العظيم.
«فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ»
وفي المقابل، هناك من يفتح صحيفته ليرى رسائل الغفلة، والذنوب التي طواها الزمن وظن أن الله نسيها. يرى كلمات العتاب، وسجلات التقصير، فتسودّ الوجوه، ويعض على يديه ندماً ولات ساعة مندم. يتمنى لو أن بينه وبين تلك الرسائل أمداً بعيداً، أو أن الأرض انشقت وابتلعته قبل هذا الموقف.
«وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَه * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ»
الجوال يمكن إغلاقه، والرسائل يمكن حذفها بنقرة زر، أما هناك، فالأرشيف أبدي، والكاتبون ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
ما دامت الأنفاس تتردد، والروح لم تغرغر بعد، فالشاشة لا تزال مفتوحة، وخيار «التعديل» و»المحو» متاح. يمكنك الآن أن تمحو رسائل الخطايا بدمعة توبة، وتستبدلها بحسنات تمحو ما قبلها، ليتولى كرم الله سبحانه قلب تلك السجلات المظلمة إلى فضاءات مشرقة بالرحمة والمغفرة.
«إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سِيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»
تفقد رسائل حياتك اليوم قبل أن تُعرض غداً. واحرص على ألا تكتب فيها ما يسوؤك أن تراه في المحفل الأكبر.
إلهنا وخالقنا، يا من لا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضاً، يا من يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، إليك نرفع أكف الضراعة، نفوسنا مثقلة بالخطايا، وصحائفنا سودتها الغفلات، وليس لنا من معول إلا على عفوك وجودك ورحمتك التي وسعت كل شيء.
اللهم إنا نعوذ بك من خزي يوم القيامة، ونعوذ بك من الفضيحة على رؤوس الخلائق. اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض عليك. لا تفضحنا بسيئاتنا، ولا تخذلنا بتقصيرنا، واجعل كتابنا في عليين، ويمّن كتابنا، ويسّر حسابنا، واجعلنا ممن ينقلب إلى أهله مسروراً.
يا حي يا قيوم، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، وامحُ من صحائفنا كل زلة وعثرة بدلها توبة نصوحا ترضاها وتتقبلها منا. اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، غير غضبان، يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.