د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
شهد قطاع الإسكان في السعودية تحولا جذريا ومراحل تطويرية متسارعة، انتقل فيها من التدخل المحدود على توفير حلول تمويلية وسكنية شاملة رفعت نسبة تملك الأسر للمساكن إلى 65.4 % بنهاية 2024 مرتفعة من 47 % عام 2016، متجاوزة مستهدف عام 2025 البالغ 65 %، ارتفعت بنهاية 2025 نحو 66.24 %، متجاوزة مستهدفات الرؤية الرامية للوصول إلى 70 % بحلول 2030، ما يعكس فاعلية المبادرات والممكنات السكنية والتمويلية التي يقدمها البرنامج بالتكامل مع الشركاء، رغم المتغيرات الاقتصادية العالمية، وفي وقت قصير لتصبح السعودية في مقدمة دول العالم التي تملك استراتيجية واضحة في الإسكان الوطني، وهدفا محددا لتملك المنازل.
اقتصر دور الدولة ما قبل الرؤية على برامج الإقراض المباشر عبر صندوق التنمية العقارية إلا أن القطاع واجه تحديات تتعلق بقلة المعروض وضعف التمويل، وانتظار يصل لأكثر من 15 عاما، لذلك انطلقت مرحلة التحول بعد الرؤية عام 2016 بإعادة هيكلة الدعم لتنظيم السوق العقاري وإشراك القطاع الخاص، وتم إطلاق بوابة سكني، وتنويع الخيارات من البناء الذاتي إلى الوحدات الجاهزة، والشراء على الخريطة، ومن ثم توفير الضواحي السكنية المتكاملة، وتطبيق تقنيات البناء الحديثة، إلى جانب إطلاق برنامج الإيجار لتنظيم وتوثيق عقود الإيجار الكترونيا، وفي عام 2025 صدرت تعديلات جوهرية على اللوائح التنفيذية شملت خفض سن الاستحقاق وتوسيع دائرة الدعم.
كان لهذا الحراك السكني أثر اقتصادي تجاوزت مساهمة برنامج الإسكان في الناتج المحلي الإجمالي حاجز ال157 مليار ريال مع توفير عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة بنحو 500 ألف فرصة عمل، أي قفزت مساهمة قطاع الإسكان والعقار في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 7% قبل الرؤية لتصل إلى 14 % في 2025.
وفي إطار تعزيز الشراكة السعودية الصينية في قطاعي الإسكان والتشييد، تم توقيع مذكرات تفاهم بين جهات وشركات سعودية وصينية ترسية مشاريع سكنية جديدة في مدينتي الرياض والدمام بقيمة إجمالي تتجاوز 1.9 مليار ريال، تهدف تلك الاتفاقيات إلى توطين تقنيات البناء الحديثة، ونقل المعرفة، والخبرات، وتطوير القدرات البشرية، ودعم الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب مجالات التصميم الهندسي والحلول التمويلية ودراسة المشاريع وتسعيرها، بما يسهم في رفع كفاءة التنفيذ وتسريع الإنجاز وتحسين جودة المشاريع السكنية، وفرص التعاون في مجالات البناء الحديث والتصنيع المسبق، والمدن الذكية والاستدامة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الرقمية في إدارة المشروعات العمرانية، بما يواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع عالميا.
هدف وزارة الإسكان من تعزيز وتوسيع الشراكات الدولية، وتمكين القطاع الخاص العالمي من الاستثمار والعمل في السوق السعودية، التي تسهم في تطوير سلاسل الإمداد وبناء القدرات الوطنية، ورفع جودة المشاريع، بما يعزز مكانة السعودية وجهة رئيسية في قطاع التطوير العقاري والإسكان.
وللصين تجارب في برامج الإسكان الميسور التكلفة، بما في ذلك مشروع العيش السلمي، وبرنامج الإسكان الاقتصادي والمريح، وبرنامج الإسكان ذو الايجار الرخيص، وبرنامج الإسكان العام للإيجار، وبرنامج الإسكان الاجتماعي، وقد نجحت الصين بامتلاك اعلى معدلات ملكية منازل في العالم حيث يمتلك 90 % من الأسر الحضرية منازلهم.
ولا زالت وزارة الإسكان تتجه نحو توفير معروض كاف من الإسكان لجميع شرائح الدخل للأسر السعودية وتعزيز استقرارها الاجتماعي والاقتصادي خصوصا في المدن الخمس الكبرى التي تحتاج إلى أكثر من 1.5 مليون وحدة سكنية حتى عام 2030، منها 731 ألف وحدة سكنية في مدينة الرياض وحدها، خصوصا وأن 45 % من المواطنين السعوديين تقل أعمارهم عن 20 عاما، ونحو 63 % منهم تقل أعمارهم عن 30 عاما وسيتطلعون للسكن في منازلهم الخاصة.
الشراكة مع القطاع الخاص أصبحت أحد المحركات الرئيسية لنمو القطاع السكني، حيث أسهمت في زيادة المعروض العقاري وتسريع تنفيذ المشروعات السكنية، إلى جانب تطوير مجتمعات عمرانية متكاملة توفر الخدمات والمرافق والبنية التحتية ومقومات جودة الحياة، حيث تحولت مشروعات البيع على الخريطة أداة مهمة لدعم المعروض السكني، وتوسيع فرص التملك، مستفيدة من منظومة رقابية وتنظيمية عززت ثقة المشترين ورفعت الإقبال على هذا النوع من المشروعات السكنية.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا