عبدالمطلوب مبارك البدراني
ليس كل غضبٍ خصومة، ولا كل عتبٍ جفاء. وفي ميزان العلاقات الإنسانية -ولا سيما في الدائرة اللصيقة من إخوة وأبناء عمومة وزوجة وأولاد- يتجلى نوعٌ من الغضب الراقي الذي لا ينبع من حسدٍ، ولا يرمي إلى ظلمٍ، ولا يؤول إلى قطيعة رحم. إنه «غضبُ المُصلح المشفق»؛ الذي يرى الاعوجاج في سلوك من يحب، فلا تسعه مروءته ولا دينه أن يقف موقف المتفرج، فيتحرك قلبه غيرةً، وينطق لسانه نصحاً وتقويماً.
فلسفة الغضب التربوي: لماذا نغضب؟
إن الإنسان بطبعه لا يكترث لأخطاء العابرين في حياته، لكنه يقف طويلاً أمام زلات ذوي القربى؛ لأن القريب يمثل امتداداً لكرامة المرء، وعنواناً لأسرته وقبيلته. حين يغضب الغيور لتعديل سلوكٍ غير سويّ صدر من أخ أو ابن عم، فإن غضبه ذاك هو أسمى درجات النصح المطلوب شرعاً وعرفاً.
وقد صاغ الشاعر العربي القديم هذا المعنى ببراعة حين بيّن أن الشدة على القريب أحياناً هي عين الرحمة به، فقال:
قَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِماً
فَلْيَقْسُ أَحْيَاناً عَلَى مَنْ يَرْحَمُ
وحين يغضب المرء حرصاً على إخوانه، فإنه يبذل النصح حمايةً لهم من مغبّة الخطأ، كما يقول بشار بن برد في عتاب الإخوان وتوجيههم:
إِذا كُنتَ في كُلِّ الذُنوبِ مُعاتِباً
أَخاكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه
فَعِش واحِداً أَو صِل أَخاكَ فَإِنَّهُ
مُقارفُ ذَنبٍ مَرَّةً وَمُجانِبُه
أدب التقويم.. الفعل لا الفاعل
الخيط الرفيع الذي يفصل بين الغضب التربوي المصلح، وبين الغضب الهدام، يكمن في «الوجهة». فالغضب الراشد يتجه مباشرة نحو السلوك غير السوي لتفكيكه وتعديله، مع الحفاظ التام على مكانة الشخص وعرضه. هو حزمٌ في مواجهة الخطأ، توازنه رحمةٌ بالخطّاء، ويقينٌ بأن المجاملة على حساب الأخلاق هي غشٌّ في النصيحة، بينما المواجهة المشوبة بالحرص هي المحبة الحقيقية.
وفي الموروث النباطي الأصيل، نجد هذا الحث على تبيان الخطأ للقريب وحمايته بالنصح دون مواربة، مع الإبقاء على حبل الود متيناً، كما يُقال في طيات الحكمة الشعرية:
الِّلابِة الِّلي ما تَعَاتَبْ عِلَلْهَا
تَبْقَى عِلَلْهَا دَاخِلِ الْجَوْفِ عِلَّه
وَالْكِلْمَة الِّلي تُوجِعِكَ مِنْ قِبَلْهَا
عِتَابْ سَمْحِينِ الْوِجِيهِ اسْتِدَلَّه
خاتمة
سيبقى الحزم في الحق، المغلف بقرابة الرحم، هو الحصن المنيع لتماسك مجتمعاتنا وحفظ قيمها الأصيلة. إن الغضب لأجل التقويم ليس قسوة، بل هو أسمى ألوان الرعاية، وحين يدرك القريب أن خلف تلك الغضبة قلباً يحوطه بالحب ويخشى عليه من الزلل، تتحول جفوة العتاب إلى وثيقة عهد جديدة، تقوى بها أواصر القربى وتستقيم بها السلوكيات.