ريوف بنت عبدالعزيز العمّار
طُويت غيابة هذا الفصل الدراسي كحديثٍ طويلٍ آنَ ختامه، وانقضت معه أيامٌ حُبست أنفاسها بين مِداد السهر وكدّ السعي لنقف اليوم جميعًا على شرفة الحصاد نتلفتُ وراءنا لنبصر ما أودعته الأنفس في مضامير العلم من عزمٍ ونصَب.
وفي فواتح هذا الختام تتجلى في سماء الذاكرة مآثر المعلمين الأفاضل والدكاترة الأجلاء أولئك الذين أسرجوا من حيرتنا قناديل هدى وكانوا طوال المسير مرافئ أمانٍ ترسو عندها سفن السائلين، فحقّ لزامًا أن نُسجي إليهم فيض المودة وخالص الثناء وأن نخص بالذكر والدعاء صفوةً منهم، طالما اتسعت قلوبهم لآمال الطلاب قبل آلامهم فكانوا هينين في بسط المعرفة لينين في تقويم العثرة يمدون كفّ العون كالغيث فلا يشقّون على مُريد ولا يضيقون بجهول بل يقيلون الزلة ويجبرون الوهن، فلله درّ تلك الأرواح السخية وجزاهم الله عن كل حرفٍ أناروا به فكرًا رفعةً تنامى ومقامًا لا يدانيه مقام.
أما فرسان هذا الميدان من الطلاب والطالبات، فإن لكل مجتهدٍ منهم نصيبًا يوازيه وما كان الجهد يومًا هباءً منثورًا، فمن وجد في صحيفته ما يسرّه ويرضيه فليحمد الله على طيّب الحصاد وليجعل من نجاحه دافعًا لرفعةٍ أسمى، ومن سهر الليالي واجتهد بذمّةٍ ويقين ثم حالت الأقدار دون ما يرجوه من نيل الدرجات فلا يبتئس ولا يدخلنّ الزعل قلبه فإن موازين الأرض قد تخطئ لكن ميزان السماء عدلٌ لا يميل وأجره المحفوظ عند الله لا يضيع وما كسبه من وعيٍ ومجاهدةٍ للذات هو الفوز الحقيقي الذي لا تبخسه الأرقام.
وعلى ضفاف هذا الختام تتوجه العيون والقلوب إلى الآباء والأمهات، الحصن الحصين لكل بزوغٍ وتعثر، إن الواجب اليوم يدعوكم للاحتفاء بأبنائكم المتفوقين ومكافأتهم بما يثلج صدورهم ويذكي في نفوسهم طاقة الاستمرار والتميز، وفي الوقت ذاته رفقًا بقلوبٍ أخرى لم يسعفها الحظ أو قصرت بها الخطى فلا تنهروهم ولا تقلبوا صفحات عثراتهم لومًا وتقريعًا فسبحان من خلق البشر وجعل قدراتهم شتى يتفاوتون في الميول ويختلفون في طاقة التحمل، ومع هذا الرفق كله يظل الميزان مستقيمًا في النفوس إذ علمنا المحكم أنه «لا يستوي الأعمى والبصير» ولا يستوي من طحنته الأيام سعيًا بمن ركن إلى الدعة والكسل ليكن عتابكم لهم بلسمًا يبني ولا يهدم يدفعهم لتدارك التقصير في القادم من الأيام مع يقينهم الثابت بأنكم السند الذي لا يميل مع ميلان الدرجات.
وإذ تُطوى اليوم هذه الصفحة من مسيرة العطاء ندرك أن التعليم ليس مجرد أرقام تُقيد في السجلات بل هو رحلة صقلٍ للعقول وبناءٍ للنفوس. ختامًا.. هنيئًا لكل من زرع بالصبر حاصدًا كان أم متعثرًا وشكرًا ليدٍ أخذت بأيدينا نحو النور، نسأل الله أن يجعل القادم من الأيام إجازةً تفيض بالطمأنينة والراحة وأن يوفق خطى الجميع لمستقبلٍ تزهو به أمانيهم وتتحقق فيه تطلعاتهم.
طابت خطاكم ودامت أيامكم عامرةً بالخير والمسرات.