د. طلال الحربي
في عالم النقل بالسكك الحديدية لا تُقاس الكفاءة بسرعة القطارات وحدها ولا بامتداد الشبكات على الخرائط، بل بقدرة المنظومة على أن تُعيد راكبها إلى أهله سالماً، وأن تجعل من السلامة شرطاً سابقاً على كل إنجاز لا نتيجةً لاحقةً له. وعلى امتداد ربع قرنٍ قضيته في هذا الميدان بحثاً وممارسةً ومتابعةً، تكوّنت لديّ قناعة لا تتزعزع: الجوائز الكبرى لا تُمنح للمؤسسات التي تُتقن الشعارات، بل لتلك التي تنجح في تحويل السلامة من بندٍ في اللوائح إلى أسلوب عملٍ راسخ ينبض في تفاصيل التشغيل اليومي.
ومن هذا الباب تحديداً أقرأ فوز الخطوط الحديدية السعودية «سار» بجائزتين دوليتين بارزتين، نالت أولاهما جائزة التميز في التحول الرقمي لمنظومة السلامة من منصة «Safe365» تقديراً لمنظومةٍ رقمية متقدمة تقيس ثقافة السلامة المؤسسية وتعمل على تحسينها، ونالت الثانية جائزة فريق العام في إدارة المخاطر من المعهد الدولي لإدارة المخاطر والسلامة «IIRSM» تقديراً لنهجٍ مؤسسي متكامل في تطبيق ممارسات إدارة المخاطر وتعزيز السلامة التشغيلية.
ومن يعرف طبيعة هذه الجهات المرجعية يدرك أن تقديرها لا يُمنح مجاملةً ولا يُكتسب بالحضور وحده؛ فهي تدقّق في الممارسة لا في الوعود، وتقيس الأثر على الأرض قبل أن تنظر في العرض على الورق. أن تفوز «سار» بهما معاً، وفي مجالين متكاملين هما التحول الرقمي وإدارة المخاطر، يعني أن المنظومة لم تكتفِ ببناء أدواتٍ حديثة، بل أحسنت توظيفها في خدمة هدفٍ نبيل هو حماية الإنسان أولاً.
ولم يأتِ هذا الإنجاز في فراغ. فالقطاع الذي تنتمي إليه «سار» يحظى بدعمٍ لا محدود من لدن القيادة، شأنه شأن سائر القطاعات التي وضعتها رؤية المملكة في صدارة أولوياتها، وهو دعمٌ يتجاوز الإطار المعنوي إلى التمكين الفعلي بالتشريع والتمويل والبنية والمتابعة. وقد تجلّى هذا في ما يوليه معالي وزير النقل والخدمات اللوجستية من متابعةٍ دقيقة لأداء منظومة النقل بمختلف وسائطها، ومنها منظومة النقل بالسكك الحديدية ممثلةً بـ«سار»، كما تجلّى في متابعةٍ تنفيذية حثيثة من رئيسها التنفيذي جعلت ملف السلامة حاضراً على طاولة القرار لا على هامشها. هذا التكامل بين إرادةٍ عليا داعمة وقيادةٍ تنفيذية ملتزمة هو ما يصنع في تقديري المهني الفارق بين مؤسسةٍ تتعامل مع السلامة بوصفها كلفةً واجبة، وأخرى تتعامل معها بوصفها استثماراً في الثقة والاستدامة.
والأرقام هنا تنطق بما لا تنطق به العبارات. فقد انخفضت حوادث التقاطعات بنسبة 75 %، وتراجعت الإصابات بنسبة 62.5 %، والحوادث الوشيكة بنسبة 63 %، والتصادمات في الساحات والورش بنسبة 68 %، فيما ارتفع مؤشر ثقافة السلامة إلى 57 % متجاوزاً المتوسط العالمي. وهذه ليست أرقاماً تُساق للتباهي، بل مؤشراتٌ تقول إن أرواحاً صينت، وإصاباتٍ مُنعت، وأسراً نجت من فجيعةٍ كانت محتملة. وحين ينخفض مؤشرٌ خطير كحوادث التقاطعات إلى ربعه السابق، فإن وراء كل نقطةٍ مئوية قصة سلامةٍ كان يمكن أن تكون قصة مأساة.
والأهم من النتيجة منهجها. فقد أعادت «سار» صياغة مفهوم السلامة داخل منظومتها التشغيلية، فنقلته من وظيفةٍ محصورة في الإجراءات والامتثال إلى ثقافةٍ مؤسسية راسخة تُبنى على تمكين الموظف، وتعزيز المسؤولية المشتركة، وربط السلامة بالأداء والاستدامة وجودة التشغيل. وهذا التحول الجوهري وهو الأصعب في تجارب المؤسسات كافة لم يكن ليثبت لولا تطويرٌ موازٍ في الحوكمة التشغيلية، ولولا انخراطٍ مباشر للقيادات التنفيذية في مراجعات المخاطر والجولات الميدانية، ولولا اتكاءٌ واعٍ على البيانات والذكاء التشغيلي في دعم القرار. فحين تنزل القيادة إلى الميدان، وحين يصبح البيان الرقمي أساس الحكم لا انطباع اللحظة، تتحول السلامة من شعارٍ معلّق على الجدران إلى سلوكٍ يعيشه كل عاملٍ في موقعه.
وامتدّ هذا النضج إلى الفضاء الدولي، فانضمت «سار» إلى عضوية مجلس سلامة ومعايير السكك الحديدية البريطاني «RSSB»، أحد أبرز المراجع العالمية في تطوير معايير السلامة والموثوقية التشغيلية، وشاركت في محافل عالمية معنية بسلامة السكك الحديدية. وهذا الانفتاح المعرفي يعكس وعياً بأن السلامة علمٌ تراكمي لا تكتمل أدواته في عزلة، وأن الجلوس إلى طاولة الكبار يفرض على المؤسسة أن ترفع سقفها لا أن تكتفي بما بلغته.
أما في الميدان، حيث تُختبر النيات الحسنة بصدق التطبيق، فقد أطلقت «سار» حملة السلامة الميدانية «أسلم لك» التي أسهمت في خفض التعديات على حرم السكة الحديدية بنسبة 61.5 % عبر جولاتٍ استهدفت المواقع الأعلى خطورة وفق تحليل البيانات ومؤشرات المخاطر. وهنا تتجلى حكمة المنهج: لم تُوزَّع الجهود بالتساوي على الجميع، بل وُجِّهت بدقةٍ إلى مواطن الخطر الحقيقية، وهو جوهر إدارة المخاطر الرشيدة التي تُحسن إنفاق الموارد حيث يُحدِث إنفاقها أعمق الأثر.
ولعل أصدق شاهدٍ على نضج هذه الخطة هو ما عشناه في موسم الحج، حين تتضاعف الأحمال وتشتدّ الضغوط ولا يحتمل الموقف هامشاً للخطأ، فإذا بالمنظومة تؤدي دورها بانضباطٍ وكفاءة عكست تخطيطاً سبق التنفيذ بأشواط. وما نراه اليوم من نتائج لم يولد في موسمٍ واحد، بل هو ثمرة خطة عملٍ تتجدد عوائدها مع كل انطلاقةٍ لقطارٍ يحمل اسم «سار» ويصل بركّابه إلى وجهتهم سالمين.
يبقى أن هذا الإنجاز، على بهائه، ليس محطةَ وصولٍ بل علامةٌ على طريق. فهو يعكس المكانة المتقدمة التي باتت «سار» تحتلها في السلامة التشغيلية وإدارة المخاطر، ويصبّ مباشرةً في مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، وفي رؤية المملكة 2030 الساعية إلى منظومة نقلٍ أكثر أماناً واستدامةً وكفاءة. والرهان المقبل أن تُصان هذه الثقافة فلا تتراخى مع التعوّد، وأن يتحول التميز من حدثٍ يُحتفى به إلى عادةٍ يُقاس عليها. فالسلامة، في نهاية المطاف، ليست جائزةً تُعلَّق، بل عهدٌ يُجدَّد كل يوم مع كل رحلة.