فائز بن سلمان الحمدي
ليست الأخوة وشيجةَ نسبٍ عارضة، ولا رابطةً تُنشئها القرابة ثم تعبث بها نزوات الأيام، وإنما هي ميثاقٌ موصولٌ بأسباب السماء، وغرسٌ مباركٌ أنبتته الأرحام، وأظلّته عناية الله بالمودة والرحمة.
فالأخ ليس رفيقَ مرحلةٍ من مراحل العمر ثم ينطوي ذكره مع انطواء الأيام، بل هو شاهدُ النشأة، ورفيقُ البدايات، وأمينُ الذكريات، وامتدادُ الجذور الضاربة في أعماق النفس والوجدان.
ولذلك عظَّم الإسلام شأن الأرحام تعظيمًا يليق بقداستها، وربطها بتقوى الله في قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ}، وجعل صلتها من أجلِّ القربات وأزكى الطاعات، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه».
وما ذاك إلا لأن الأرحام إذا التأمت تآلفت القلوب، وإذا تواصلت الأرواح استقامت الأحوال، وقامت الأسر على دعائم السكينة والوئام. وما من بلاءٍ يعتري هذه الرابطة أوجع من الشقاق بين الإخوة؛ إذ ليس هو نزاعًا عابرًا تمحوه الأيام، بل صدعٌ يتسلل إلى صميم البنيان الأسري، فيوهن أركانه، ويبعثر أنواره، ويستبدل دفءَ الألفة بوحشة الجفاء. وكيف لا يكون كذلك وقد توعّد الله قاطعي الأرحام فقال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة قاطع رحم». وكم من امرئٍ حسب أنه أحرز الظفر في خصومة، فإذا به قد خسر كنزًا لا يُعوَّض، وفرَّط في سندٍ كان له بعد الله عونًا وذخرًا. إن القرآن لم يُرِد للمؤمن أن ينتصر على أخيه، وإنما أراد له أن ينتصر لأخوته؛ فجعل رابطة الإيمان قائمة على الأخوة، فقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، ثم أتبعها بالأمر بالإصلاح فقال: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}. ولعظم شأن الإصلاح أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفضل من كثيرٍ من نوافل الأعمال، فقال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟.. إصلاح ذات البين». ذلك أن اجتماع القلوب أعظم شأنًا من انتصار المواقف، وسلامة المودة أبقى أثرًا من غلبة الرأي. وما إن تدبّ القطيعة في الأرحام حتى تخفت أنوار المجالس، وتنكمش ظلال المودة، وتغدو المناسبات صورًا خاوية من دفء المشاعر. وحينئذٍ لا يكون الخسران قاصرًا على المتخاصمين، بل يمتد إلى الأسرة كلها، فتبهت معاني التراحم، ويشبُّ الأبناء على إرثٍ من الجفوة بدل أن يتربوا في رياض الألفة والبر. ثم تدور رحى الأيام، وتتقادم أسباب النزاع حتى تغدو هباءً منسيًّا، ويبقى في أعماق النفس سؤالٌ يطرق أبواب الندم: أيستحق أمرٌ فانٍ أن تُراق في سبيله مودةُ رحمٍ باقية؟ وكم من قلبٍ أضناه الأسف حين أدرك الحقيقة بعد فوات أوانها، وبعد أن أوصد الموت أبواب اللقاء والاعتذار.
فيا من بينك وبين أخيك جفوة، بادر إلى رأب الصدع قبل استفحاله، وأحْيِ ما ذبل من وشائج القربى، واعلم أن الصفح مكرمة، وأن العفو رفعة، وقد مدح الله أهله فقال: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. واعلم أن المبادرة إلى الصلح سموٌّ في النفس ونبلٌ في المعدن، وأن اليد الممدودة للمودة أرفع عند الله من يدٍ قابضةٍ على الضغينة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيرهما الذي يبدأ بالسلام».
(وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)؛ كلمةٌ ربانيةٌ تفيض حكمةً ونورًا، جمعت في وجازتها ما تعجز الخطب الطوال عن استيفائه. فمن جعلها منهاجًا له ربح القلوب، واستبقى الأرحام، ونال رضا ربه، وكان من الواصلين الذين مدحهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها». فما أقصر العمر من أن يُهدر في الخصام، وما أعظم الأخ أن يُفقد بسبب كلمة أو موقف.