أمل حمدان الشريف
حين أُوجدت الرياضة، لم يكن هدفها أن تُقسّم المجتمعات، أو أن تُشعل الخصومات، أو أن تُغذّي الكراهية، بل جاءت لتكون مساحةً للمتعة، وميدانًا للتنافس الشريف، وجسرًا يجمع الشعوب على لغةٍ واحدة لا تحتاج إلى ترجمة. ومع ذلك، يصرّ البعض على أن يحملها إلى ساحةٍ أخرى، حيث ترتفع أصوات التعصب، وتتراجع قيم الاحترام، ويصبح الفوز انتصارًا للذات، والخسارة هزيمةً للكرامة.
المؤسف أن بعض المشجعين لم يعودوا يكتفون بتشجيع فرقهم، بل أصبحوا يعيشون المباريات وكأنها معارك شخصية. فإذا انتصر فريقهم، ظنوا أن العالم يدور في فلكهم، وإذا خسر، بدأ البحث عن مؤامرةٍ تحكيمية، أو تفسيرٍ يُبعد المسؤولية عن الفريق، وكأن الاعتراف بأفضلية المنافس أمرٌ لا يُغتفر.
والأكثر غرابة أن التعصب لم يعد حبيس المدرجات، بل انتقل إلى المجالس، ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى باتت بعض المنصات تمتلئ بالسخرية، والشماتة، والتجريح، وكأن الاختلاف في الميول الرياضية يبرر إسقاط أبسط قواعد الذوق والاحترام.
ولعل أكثر ما يلفت في التعصب الرياضي تلك المفارقات التي تعكس غلبة الانفعال على العقل؛ فبعض المشجعين يحفظ أخطاء الحكم ضد فريقه منذ سنوات، لكنه ينسى تمامًا القرارات التي استفاد منها فريقه، وكأن الذاكرة الرياضية لا تعمل إلا في اتجاه واحد. وآخر يختفي من وسائل التواصل الاجتماعي بعد خسارة فريقه، ثم يعود بعد أول انتصار ليتحدث بثقة الخبير في التحكيم والإدارة والتكتيك. وثالث لا يكتمل فرحه بفوز فريقه إلا إذا سبقه تعثر منافسه، حتى أصبح بعضهم يشجع ضد الآخرين أكثر مما يشجع فريقه.
هذه المشاهد قد تبدو طريفة في ظاهرها، لكنها تكشف في جوهرها خللًا في مفهوم التشجيع، حين يصبح الانتماء الرياضي سببًا للاحتقان، بدلًا من أن يكون وسيلة للمتعة والتقارب.
إن الرياضة ليست اختبارًا للأخلاق، بل فرصة لإظهارها. فالتصفيق للمنافس حين يستحق، وتقبّل الخسارة بروحٍ رياضية، والاحتفال بالفوز دون إساءة، كلها صورٌ تعكس وعي المشجع قبل أن تعكس قوة فريقه.
كما أن للإعلام الرياضي دورًا محوريًا في تهدئة المشهد، لا في تأجيجه. فالإثارة التي تتجاوز حدود المهنية قد تحقق مشاهداتٍ أكثر، لكنها تُنتج جمهورًا أكثر احتقانًا. أما الكلمة المسؤولة، فهي التي تُعلي قيمة المنافسة، وتُرسّخ أن الاختلاف في التشجيع لا ينبغي أن يتحول إلى خلافٍ في القلوب.
وفي وطنٍ جعل من الرياضة أحد جسور جودة الحياة، ومن ملاعبه ساحاتٍ للفرح، ومن جماهيره صورةً مشرقة أمام العالم، فإن المسؤولية مشتركة بين الأسرة، والإعلام، والأندية، والجمهور، حتى تبقى الرياضة رسالةً للمتعة، لا منصةً للفتنة.
فالنتائج تتبدل، والبطولات تنتقل من فريقٍ إلى آخر، أما الأخلاق فهي البطولة الوحيدة التي لا ينبغي أن نخسرها. ومن يفهم معنى الرياضة الحقيقي، سيدرك أن أجمل انتصار ليس رفع الكأس، بل أن يغادر الملعب وهو أكثر احترامًا لمنافسه، وأكثر اتزانًا في مشاعره، وأكثر إيمانًا بأن الرياضة متعة.. وليست معركة.