د. عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
تُعد الموسيقى واحدة من أقدم أدوات التعبير الإنساني وأكثرها قدرة على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية والثقافية، إذ تمتلك طاقة فريدة على بناء الجسور بين الشعوب وصناعة مساحات مشتركة للحوار والتفاهم الإنساني. ولهذا لم تعد الموسيقى في العصر الحديث مجرد نشاط فني أو وسيلة للترفيه، بل أصبحت جزءًا من منظومات الهوية الوطنية والقوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية.
وفي هذا السياق تبرز التجارب الفنية الكبرى التي استطاعت أن تحول التراث المحلي إلى خطاب إنساني عالمي، وأن تنقل الموروث الثقافي من دائرة الخصوصية الضيقة إلى فضاء العالمية الرحب دون التفريط بأصالته أو ملامحه الجوهرية.
ومن بين هذه التجارب يبرز اسم الموسيقار والمايسترو الحضرمي محمد سالم القحوم بوصفه أحد أهم رواد المشروع الموسيقي الحضرمي اليمني المعاصر، وأحد أبرز الشخصيات الفنية التي سعت إلى إعادة تعريف العلاقة بين التراث الموسيقي اليمني والحضرمي وبين المنظومة الموسيقية العالمية.
ولا يمكن قراءة تجربة القحوم باعتبارها تجربة فردية محضة، بل باعتبارها مشروعًا ثقافيًا متكاملًا تتداخل فيه الأبعاد الفنية والمعرفية والحضارية والإستراتيجية، وتلتقي فيه الرؤية الإبداعية مع الوعي بالهوية والرسالة الثقافية.
لقد جاء مشروعه في لحظة تاريخية شهد فيها اليمن تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، الأمر الذي منح الفن والثقافة دورًا مضاعفًا في الحفاظ على الذاكرة الوطنية وصيانة الهوية الحضارية.
وُلد محمد سالم القحوم في مدينة تريم ببلاد حضرموت عام 1991م، وهي مدينة تمثِّل واحدة من أهم المراكز العلمية والثقافية والروحية في العالم العربي الإسلامي، حيث تراكمت عبر قرون طويلة خبرات معرفية وثقافية متنوعة تركت أثرها العميق في تكوين الإنسان الحضرمي.
وفي هذه البيئة الحضارية الغنية تشكَّل وعيه الأول بالجمال والإيقاع والتراث، وتفتحت مداركه على الموروث الفني الحضرمي بمختلف ألوانه وأشكاله التعبيرية.
وقد أسهمت البيئة الحضرمية بما تحمله من تنوع موسيقي وإيقاعي في تكوين شخصيته الفنية، حيث احتك منذ سنواته الأولى بألوان الدان والهبيش والمدروف والعدة وغيرها من الفنون التي تشكل جزءًا أصيلًا من الذاكرة الثقافية الحضرمية.
ومن الملاحظ أن مسيرته العلمية لم تنحصر في المجال الفني وحده، بل جمعت بين التكوين الهندسي والتكوين الموسيقي، وهو أمر انعكس بصورة واضحة على منهجيته في بناء المشاريع الفنية الكبرى.
فقد حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة حضرموت، وهو تكوين أكسبه عقلية تنظيمية وبنائية ساعدته لاحقًا في إدارة المشاريع الموسيقية المعقدة.
كما واصل دراسته الموسيقية المتخصصة في المعهد الوطني للموسيقى بالعاصمة الأردنية عمَّان، إضافة إلى دورات ودراسات أكاديمية وفنية متنوعة أسهمت في تطوير أدواته المعرفية والمهنية.
وقد منحته هذه الثنائية بين الهندسة والموسيقى قدرة استثنائية على الجمع بين الخيال الإبداعي والانضباط العلمي، وهي سمة تميز الكثير من أصحاب المشاريع الحضارية الكبرى.
ومنذ سنوات مبكرة انخرط القحوم في مجال الهندسة الصوتية والتوزيع الموسيقي والإنتاج الفني، ما أتاح له فهمًا عميقًا للعلاقة بين التقنية والإبداع.
ولم يتوقف عند حدود الأداء الموسيقي، بل اتجه إلى بناء مؤسسات وأطر إنتاجية قادرة على دعم مشروعه الفني والثقافي بصورة احترافية ومستدامة.
ومن هذا المنطلق تأسست شركة (صدى الإبداع) للإنتاج الموسيقي، لتصبح لاحقًا منصة فنية وإعلامية متعددة المجالات تسهم في إنتاج الأعمال الموسيقية والمرئية والسمعية الحديثة.
وقد شكَّلت مدينة دبي محطة إستراتيجية محورية في مشروع محمد سالم القحوم الفني، إذ وجد فيها بيئة ثقافية عالمية احتضنت مشروع (السيمفونيات التراثية) ووفرت له فضاءً رحبًا للانطلاق نحو الجمهورين العربي والدولي. ولم يكن حضوره في دولة الإمارات مجرد نشاط فني عابر، بل مثَّل انتقالًا بالموسيقى اليمنية من الإطار المحلي إلى فضاء العولمة الثقافية، ولا سيما من خلال العروض التي قدَّمها على مسارح كبرى، وفي مقدمتها (دبي أوبرا)، حيث عرض رؤية موسيقية معاصرة أعادت تقديم التراث الحضرمي واليمني بمختلف مدارسه، فجمعت الألوان الحضرمية والصنعانية واللحجية والعدنية والتعزية والتهامية في بناء سيمفوني حديث حافظ على أصالة الألحان والإيقاعات، وفتح أمامها آفاقًا جديدة للحضور والانتشار العالمي.
لقد أدرك القحوم مبكرًا أن الموسيقى الحضرمية واليمنية تمتلك ثراءً استثنائيًا على مستوى المقامات والإيقاعات والألحان، لكنها ظلت تعاني من محدودية الحضور العالمي مقارنة بما تستحقه من مكانة.
ومن هنا نشأت لديه فكرة البحث عن صيغة جديدة تسمح بتقديم التراث اليمني والحضرمي إلى العالم بلغة موسيقية عالمية معاصرة.
وقد تجسدت هذه الرؤية في مشروع (السيمفونيات التراثية) الذي يمثل أهم منعطف في مسيرته الفنية وأحد أكثر المشاريع الموسيقية الحضرمية واليمنية طموحًا في العصر الحديث.
وتقوم فلسفة المشروع على إعادة صياغة الموروث الموسيقي الحضرمي واليمني ضمن قوالب أوركسترالية حديثة، مع الحفاظ على الروح الأصلية للألحان والإيقاعات والمضامين الثقافية.
وتكمن أهمية هذه الفكرة في تجاوزها للثنائية التقليدية بين الأصالة والمعاصرة، حيث تقدم نموذجًا عمليًا لإمكانية الجمع بينهما في إطار إبداعي متوازن.
لقد رفض القحوم فكرة القطيعة مع التراث كما رفض فكرة الجمود عند حدوده التقليدية، وسعى إلى بناء علاقة تفاعلية بين الماضي والحاضر والمستقبل.
ومن هنا يمكن النظر إلى مشروعه بوصفه محاولة لإنتاج حداثة موسيقية حضرمية ويمنية تنطلق من الجذور ولا تنفصل عنها.
ويُعد مشروع الأوركسترا الحضرمية أحد أبرز تجليات هذه الرؤية، إذ أعاد تقديم الفنون الحضرمية الشعبية في صورة أوركسترالية حديثة قادرة على مخاطبة جمهور عالمي متعدد الثقافات.
وقد شكَّل حفل كوالالمبور عام 2019م محطة تاريخية فارقة في مسار المشروع، حيث شهد مشاركة واسعة لعازفين من جنسيات متعددة في تجربة موسيقية غير مسبوقة.
ولم يكن ذلك الحفل مجرد فعالية فنية، بل كان إعلانًا رمزيًا عن قدرة الموسيقى الحضرمية على دخول الفضاء العالمي بثقة واقتدار.
كما أثبت أن التراث المحلي ليس عائقًا أمام العالمية، بل يمكن أن يكون بوابة العبور إليها متى ما قُدِّم بصورة احترافية ومدروسة.
ثم جاءت تجربة (نغم يمني على ضفاف النيل) في دار الأوبرا المصرية لتؤكد أن المشروع يمتلك مقومات الاستمرار والتطور والتوسع.
وقد حمل هذا الحدث دلالات ثقافية عميقة تتصل بتاريخ التفاعل الحضاري بين حضرموت واليمن ومصر، وبالدور الذي يمكن أن تؤديه الموسيقى في تعزيز التواصل العربي المشترك.
أما مشروع (نغم يمني في باريس) فقد نقل التجربة إلى مستوى جديد من الحضور الدولي، عبر تقديم التراث الحضرمي واليمني في واحدة من أهم العواصم الثقافية العالمية.
ومن خلال هذه الفعاليات استطاع القحوم أن يقدِّم صورة مختلفة عن حضرموت واليمن، صورة تستند إلى الحضارة والإبداع والإنسان والثقافة.
وهنا تتجلى الموسيقى بوصفها أداة من أدوات القوة الناعمة القادرة على التأثير في الرأي العام العالمي وإعادة تشكيل الصور الذهنية السائدة.
لقد أصبحت أعمال القحوم جزءًا من الجهد الثقافي الهادف إلى إعادة تقديم اليمن للعالم بعيدًا عن اختزاله في مشاهد الحرب والأزمات.
ومن منظور الدراسات الثقافية تمثل تجربته نموذجًا متقدمًا لإدارة التراث وإعادة إنتاجه بصورة معاصرة تضمن استمراريته وحيويته.
كما تكشف تجربته عن فهم عميق لوظيفة الموسيقى باعتبارها حافظة للذاكرة الجمعية ووسيلة لنقل الخبرات الحضارية بين الأجيال.
وتبرز في أعماله قدرة واضحة على تحويل الألوان الموسيقية الشعبية إلى نصوص أوركسترالية معاصرة دون فقدان هويتها الأصلية.
وهذه العملية تُعد من أكثر العمليات الموسيقية تعقيدًا، لأنها تتطلب التوازن الدقيق بين المحافظة على الجوهر التراثي ومتطلبات البناء السيمفوني الحديث.
ومن الناحية الفنية نجح القحوم في توظيف الإيقاعات الحضرمية واليمنية داخل بناء أوركسترالي متماسك، يجمع بين الأصالة المحلية والاحترافية العالمية.
كما استطاع أن يقدم اللون الحضرمي والصنعاني واللحجي والعدني والتعزي والتهامي ضمن رؤية موسيقية فريدة تعكس التنوع الثقافي الثري.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة لأنها تعيد إبراز الموسيقى بوصفها مكونًا من مكونات الهوية، لا مجرد ألوان فنية.
وعند وضع تجربة محمد سالم القحوم في سياقها العربي والدولي الأوسع، يمكن ملاحظة تقاطعات فكرية وفنية بينها وبين عدد من المشاريع الموسيقية التي سعت إلى إعادة تقديم الموروث الثقافي المحلي ضمن قوالب موسيقية حديثة. فكما عمل مارسيل خليفة على توظيف الشعر والتراث العربي في بناء خطاب موسيقي معاصر، ونجح عمر خيرت في المزج بين الحس الموسيقي الشرقي والبناء الأوركسترالي الحديث، وقدم زياد الرحباني نموذجًا خاصًا في تحديث الموسيقى العربية عبر رؤى إبداعية متجددة، فإن القحوم اختار مسارًا مختلفًا يقوم على نقل التراث اليمني والحضرمي ذاته إلى الفضاء السيمفوني العالمي، لا بوصفه مادة مستلهمة فحسب، بل بوصفه مركز المشروع ومحوره الرئيس. ومن هنا تتجلى خصوصية تجربته باعتبارها محاولة لإعادة تموضع الموسيقى اليمنية داخل الخريطة الموسيقية المعاصرة مع المحافظة على أصالتها وهويتها التاريخية.
ومن الناحية الفلسفية تعكس تجربة القحوم إيمانًا عميقًا بأن الحداثة الحقيقية لا تُبنى على أنقاض التراث، بل تنطلق منه وتطوره وتمنحه آفاقًا جديدة.
ولهذا لم يقع مشروعه في فخ التغريب الثقافي، بل جعل من التراث الحضرمي واليمني مركزًا تدور حوله أدوات الحداثة الموسيقية المعاصرة.
كما تمثل تجربته انتقالًا مهمًا للموسيقى الحضرمية واليمنية من مرحلة الشفاهية التقليدية إلى مرحلة التدوين والتوزيع الأوركسترالي المؤسسي.
وتُعد هذه النقلة خطوة إستراتيجية في حفظ التراث الموسيقي الحضرمي واليمني وصيانته من الضياع، وتهيئته للأجيال القادمة بصيغ علمية حديثة.
ومن هنا يمكن اعتبار محمد سالم القحوم نموذجًا للمثقف الموسيقي المعاصر الذي جمع بين الحس الجمالي والوعي المعرفي والرؤية الحضارية، واستطاع أن يجعل من الموسيقى منصة للحوار بين حضرموت واليمن والعالم.
وفي المحصلة النهائية تمثل تجربة القحوم واحدة من أبرز التجارب الموسيقية العربية واليمنية المعاصرة، لأنها أعادت تعريف العلاقة بين الهوية والعالمية، وبين التراث والحداثة، وبين الفن والرسالة الحضارية، مؤكدة أن الأمم التي تمتلك ذاكرة ثقافية عميقة قادرة على مخاطبة العالم بلغة الجمال والإبداع مهما كانت التحديات والظروف. وتمثِّل هذه التجربة نموذجًا عمليًا لقدرة الفنون الوطنية على التحول إلى أدوات فاعلة في بناء الحضور الثقافي الدولي وصياغة صورة أكثر إشراقًا للشعوب والأوطان.
يمثل الموسيقار والمايسترو محمد سالم القحوم حالة ثقافية وفنية وحضارية جديرة بالدراسة والتأمل، ليس بوصفه مؤلفًا موسيقيًا أو قائدًا للأوركسترا فحسب، بل بوصفه صاحب مشروع إستراتيجي متكامل سعى إلى بناء جسر راسخ بين حضرموت واليمن والعالم. وقد أثبتت تجربته أن التراث ليس مجرد بقايا من الماضي أو ذاكرة جامدة، وإنما طاقة حضارية متجددة يمكن تحويلها إلى قوة إبداعية مؤثرة في الحاضر والمستقبل. ومن خلال مشروع السيمفونيات التراثية نجح في فتح نافذة واسعة يطل منها العالم على اليمن وحضرموت بوجههما الحضاري والثقافي والإنساني، وبرهن أن الموسيقى قادرة على أداء أدوار تتجاوز حدود الفن لتصبح وسيلة للحوار بين الثقافات وتعزيز قيم السلام والتعايش والتفاهم الإنساني. ولهذا فإن تجربة القحوم ستظل علامة فارقة في تاريخ الموسيقى اليمنية المعاصرة، ونموذجًا ملهمًا لكيفية انتقال الإبداع المحلي من فضاء الهوية إلى رحابة العالمية، ومن حدود الجغرافيا إلى آفاق الإنسانية الواسعة.
الأمر الذي يجعل من هذه التجربة موضوعًا جديرًا بالدراسة الأكاديمية المتخصصة في مجالات الموسيقى والهوية الثقافية والدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة، لما تنطوي عليه من أبعاد فنية ومعرفية وحضارية تتجاوز حدود التجربة الموسيقية التقليدية.
ومن المتوقع أن تزداد أهمية هذا النموذج خلال السنوات والعقود القادمة مع تنامي دور الصناعات الثقافية والإبداعية في تشكيل صورة الدول والشعوب، وتعاظم الحاجة إلى توظيف الفنون بوصفها أدوات للتواصل الحضاري وتعزيز الحضور الثقافي على المستوى الإقليمي والدولي.
وعليه، فإن تجربة محمد سالم القحوم لا تمثل إنجازًا فنيًا فحسب، بل تشكل إسهامًا حضاريًا واستراتيجيًا في مسيرة تقديم حضرموت واليمن إلى العالم بلغة الجمال والإبداع والإنسانية المشتركة.
ملاحظة: يُمثِّل هذا المقال ملخصًا مكثفًا لدراسة علمية موسَّعة غير منشورة بالكامل، ضمن إنتاجنا العلمي، وستصدر كاملة قريبًا بإذن الله تعالى.
** **
- أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ