د. جمال الراوي
الشخصية الوقحة شخصيةٌ لا تضبط لسانها، فتندفع إلى الألفاظ البذيئة والعبارات الجارحة، وربما بلغت في خصومتها حدَّ الفجور، قاصدةً الإساءة إلى مخاطبها، والتعالي عليه، والحطَّ من قدره، غير عابئةٍ بما تُخلِّفه كلماتها من إهانةٍ واحتقار.
وهي تلجأ -في كثيرٍ من الأحيان- إلى هجاءِ الآخرين وإذلالهم، وغالبًا ما يرتبط هذا السلوك بضعف التربية، أو سوء الخبرات، أو اضطرابات الشخصية، أو تراكم الإحباطات.
والوقاحة ليست صفةً وراثية في أصلها، بل هي في الغالب سلوكٌ مكتسب، ينشأ من سوء التربية، أو البيئة، أو الاعتياد على سوء الخلق، وإن كانت بعض السمات المزاجية قد تجعل بعض الناس أسرع انفعالًا من غيرهم.
والتعامل المهذب معها قد لا يُجدي دائمًا، كما أن الرد العدواني عليها يثيرها ويغذِّي نزعتها الاستفزازية، فتجد في الصدام متعةً، وفي إثارة الغضب انتصارًا زائفًا.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي قد أبرزت هذا النمط من الشخصيات أكثر من ذي قبل؛ إذ أزالت كثيرًا من الحواجز الاجتماعية، وأضعفت الرقابة الذاتية، فظهرت ألفاظٌ وعباراتٌ ما كان كثيرٌ من الناس ليجهر بها في اللقاءات المباشرة.
ولذلك يغدو الجدال معها عقيمًا؛ لأنها تُسمّي وقاحتها «صراحةً»، ولا تُدرك أن الصراحة إن لم تُغلَّف بالأدب والرفق تحولت إلى جرحٍ وإيذاء.
كما أن الشعور بالتخفِّي خلف الشاشات، وإمكان التعليق دون مواجهة مباشرة، شجَّع كثيرًا من الناس على إطلاق عباراتٍ لم يكونوا ليجرؤوا على قولها في اللقاءات المباشرة.
وكثيرٌ مما يُتداول في بعض وسائل الإعلام أو المنصات لا يخلو من لغةٍ تحريضية تُهيِّج النفوس وتغذِّي البغضاء.
وقد تُلاحظ هذه الشخصيّة في بيئات العمل، تجد مديرًا أو مسؤولًا يخاطب أحد موظفيه بأسلوب قبيح جاف، يستعمل كلمات نابيّة، ظنًا منه أنّه حزمٌ وصراحة، بينما هو في الحقيقة وسيلة للتعالي وفرض السطوة.
والغاية تحطيم الروح المعنوية، مع إهانةٍ مبطنةٍ تُغلَّف بادعاء الرغبة في الإصلاح.
وتتجلى الوقاحة في التعليقات الساخرة حول مظهر شخص آخر، أو وزنه، أو مستوى تعليمه، أو ظروفه المادية، وعندما يعترض الشخص المتضرر، يصرخ الوقح: «أنا أمزح فقط، أنت حساس جداً!» أو «لا تتحمّل الصراحة».
فالوقاحة لا تقتصر على تجاوز حدود الأدب، بل تمتد إلى انتهاك خصوصية الآخرين وكرامتهم، وسلبهم حقَّ الدفاع عن أنفسهم، بتحويلهم إلى مخطئين لأنهم لم يتقبلوا تلك «المزحة».
ومن صور الوقاحة أن يرفع شخصٌ صوته على نادلٍ في مطعم، أو موظف استقبال، أو سائق، لمجرد تأخر بسيط أو خطأ غير مقصود، مع استخدام ألفاظ فوقية، والتقليل من شأن الشخص الذي يقدم الخدمة، وربما تهديده بعبارات مثل: «هل تعرف من أنا؟» أو «سأجعلهم يطردونك».
وهذا يكشف عن شعورٍ بالنقص الداخلي، فيحاول صاحبه تعويضه بالتسلط على من يراهم أضعف منه وظيفيًا أو اجتماعيًا.
وهذه المشاهد الحياتيّة -للأسف- ليست نادرة، نراها في المطاعم والمراكز الخدميّة وغيرها، حيث يتجرأ بعض الزبائن على العاملين فيها، ويوجهون لهم كلماتٍ جارحة، تمسّ كرامتهم وإنسانيتّهم.
والغريب أنّ صاحب هذا السلوك قد يتسلّح بالنصيحة، يدّعي غايته الإصلاح، ورحم الله الإمام الشافعي إذ قال:
تَغَمَّدْني بنُصحِكَ في انفرادٍ
وجنِّبْني النصيحةَ في الجماعةِ
فإنَّ النصحَ بين الناسِ نوعٌ
من التوبيخِ لا أرضى استماعَهُ
فالكلمة إن خرجت بغير ميزان، أفسدت أكثر مما أصلحت.
وفي واقع الأمر، يغلب على أصحاب هذا النمط من الشخصيات الطيش في التصرف، لا يُحسنون ضبط انفعالاتهم، فتأتي ردود أفعالهم غير متزنة، فيستدعون مخزونهم اللغوي القبيح، ويستمدون من سوء أدبهم وسيلةً للهجوم على الآخرين، وقد يلجؤون –أحيانًا– إلى القوة الجسدية لفرض حضورهم.
وقد يتوهمون أنهم حقّقوا انتصارًا، حين يرون أثر كلماتهم في نفوس الآخرين.
غير أن الانتصار الحقيقي ليس في كسر النفوس، وإنما في كسب القلوب؛ فالهدم يسير، أما البناء فلا يقدر عليه إلا أصحاب الأخلاق الرفيعة.
ومما يؤسف له أن الوقاحة أصبحت –في بعض البيئات– ظاهرةً اجتماعيةً يغذيها الإحباط، وضعف المنظومة القيمية، وتراجع ثقافة الاحترام، وانتشار خطاب التشهير والطعن واللمز والهمز.
والوقاحة من آفات النفس وعيوبها، وأصلها في اللغة من الفعل «وَقُحَ»، أي قلَّ حياؤه، واجترأ على القبيح. والوقح هو مَن لا يعبأ بالمعايير الاجتماعية أو الأخلاقية، ولا يُقيم وزنًا لحدود اللياقة في القول والسلوك، فينتهك المحظورات بلا وجل.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمنُ بالطَّعَّانِ، ولا اللَّعَّانِ، ولا الفاحشِ، ولا البذيءِ» (سنن الترمذي). جمع هذا الحديث الآفات الأربعة التي لا ينبغي أن تكون في المسلم؛ فهو لا يطعن في أعراض الناس وأنسابهم.
ولا يتلفظ باللعن، وهو الدعاء على الناس بالطرد والإبعاد من رحمة الله. ولا يتلفظ بالكلام الفاحش، وهو ما يُستقبح سماعه ويخالف الحياء. ولا يستعمل ألفاظ السفه والسباب والكلام البذيء.
وورد حديث آخر عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنما الشديدُ الذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه)، فالقوة الحقيقية ليست في العضلات أو قهر الخصوم بالقوة الجسدية، بل في ضبط النفس والسيطرة عليها لحظة الانفعال والغضب.
وأما عن التعامل مع هذه الشخصية، فإن اعتبارها شخصيةً مضطربةً أو مُثقلةً بإحباطاتٍ مكبوتة يساعد على فهمها دون تبرير سلوكها؛ فهي – في كثيرٍ من الأحيان – لا تُحسن التعبير عن ضيقها إلا بالصوت العالي والعبارة الجارحة.
غير أن الفهم لا يعني التساهل، ولا الرحمة تعني التمكين للخطأ. فالأفضل وضع حدودٍ واضحة في التعامل معها، وتجنب الانجرار إلى مستواها، وعدم منحها اللذة التي تبحث عنها في إثارة الخصومة.
والحكمة تقتضي هدوءًا، وحضورًا متزنًا، وكلمةً محسوبة، مع إتاحة مساحةٍ للتراجع إن رغبت في تعديل سلوكها.
فإن لم تُجدِ المحاولات، فقد يكون الانصراف الحكيم أبلغَ جوابٍ، وأحفظَ للكرامة، وأبعدَ عن استنزاف النفس في معارك لا ثمرة منها.
والحق أن الوقاحة ليست دائمًا قوة، بل كثيرًا ما تكون قناعًا يُخفي هشاشةً داخلية. فبعض من يرفع صوته ليُسكت غيره، إنما يفعل ذلك ليُغطِّي خوفًا دفينًا من أن يُكتشف ضعفه.
إن الإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تجريح الآخرين ليُثبت قيمته، ولا إلى تحطيمهم ليشعر بالعلو عليهم. والوقار أقوى أثرًا من الصراخ، والحياء أرفع شأنًا من الجرأة المنفلتة.
ولعل أعظم ما يُقابَل به الوقح ليس الكلمة الأشد، بل السلوك الأسمى؛ فالرفعة الحقيقية لا تُنال بإسقاط غيرنا، بل بتهذيب أنفسنا، وحفظ ألسنتنا، وصيانة كرامة من نختلف معهم.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى مقابلة إساءة المسيء بالإحسان وضبط النفس، فقال الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [المؤمنون: 96]، وقال الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34]. فليس المقصود الاستسلام للأذى، وإنما الارتقاء في أسلوب التعامل مع حفظ الحقوق ووضع الحدود.
ومن علامات كمال العقل أن يفرِّق الإنسان بين الحزم والفظاظة؛ فالحزم يحفظ الحقوق، أما الوقاحة فتهدر الكرامات. وقد يجتمع اللين مع القوة، كما قد تجتمع الشدة مع سوء الأدب، وليس كل من رفع صوته قويًّا، ولا كل من خفضه ضعيفًا.
والوقاحة ليست مجرد خللٍ في اختيار الألفاظ، بل هي في كثيرٍ من الأحيان ضعفٌ في القدرة على ضبط الانفعالات وإدارة الغضب؛ فالإنسان المهذب قد يغضب كما يغضب غيره، لكنه يملك من وعيه ما يحجزه عن الظلم، ويمنعه من إطلاق لسانه بما يندم عليه بعد هدوء ثورته.
ولذلك كان حسن الخلق ثمرةً لقوة النفس، لا لضعفها، ودليلًا على تمام العقل، لا على العجز عن الرد.
فإذا كان اللسان مرآة القلب، فإن تهذيب اللسان دليل على سمو النفس، وحسن الخلق عنوان كمال الإنسان.