د. ياسين علي محمد عزي
وجدت قلمي الليلة الماضية يسطر تجربة فكرية دفعتني إلى تأمل سؤال لم أكن قد منحته ما يستحقه من التفكير من قبل. لم تكن تجربة تتصل بالعجز عن الكتابة، بل على العكس تمامًا؛ كانت لحظة يكتشف فيها الإنسان أن امتلاك الفكرة وحده لا يكفي دائمًا، وأن اللغة -مهما بلغت من النضج- لا تصل بالضرورة إلى وجهتها الطبيعية بسهولة كما نظن.
لطالما آمنت أن الكتابة ليست مجرد مهارة لغوية، ولا مجرد قدرة على تركيب الجمل وصياغة المعاني. بالنسبة لي، كانت الكلمة دائمًا المساحة التي أشعر أنني أستطيع أن أقدم من خلالها شيئًا حقيقيًا، وأن أشارك -ولو بحدود الفكرة- في المرحلة الوطنية الراهنة التي يعيشها الوطن، وفي مشروع التحول الوطني الكبير الذي تعيشه المملكة اليوم على مختلف المستويات.
لكل إنسان وسيلته التي يشارك بها في خدمة وطنه. هناك من يبني بالمؤسسات، وهناك من يساهم بالقرار، وهناك من يصنع الإنجاز في الميدان. أما بعضنا، فقد يجد أن أكثر ما يجيده حقًا هو الكلمة؛ تلك المساحة الصغيرة ظاهريًا، الكبيرة أثرًا، التي قد تتحول أحيانًا إلى جزء من الوعي الوطني، أو إسهام متواضع في حماية صورة الوطن، والدفاع عن معناه، ومساندة مسيرته الكبرى.
لكن هذه التجربة دفعتني مؤخرًا إلى سؤال بدا لي أكثر عمقًا مما ظننت: ماذا يحدث حين تولد الفكرة في لحظتها الصحيحة، ويشعر صاحبها أنه يملك ما يستحق أن يشارك به، ثم يكتشف أن الطريق بين الكلمة والقارئ ليس دائمًا طريقًا واضح المعالم؟
هنا بدأت أفكر في شيء أكبر من التجربة الفردية نفسها.
نحن نعيش اليوم عصرًا يتحدث كثيرًا عن التحول الرقمي، وعن الخوارزميات التي أصبحت تتحكم في كثير مما نراه ونقرأه ونصل إليه. وأصبح العالم أكثر وعيًا بما يسمى الاستعمار الرقمي؛ ذلك الشكل الجديد من السيطرة غير المرئية الذي لا يمنع المعرفة مباشرة، لكنه يعيد ترتيب فرص ظهورها، ويحدد ما يصل أولًا وما يبقى بعيدًا عن الضوء.
وفي خضم هذا كله، بدأت أتساءل: هل أصبحت الكلمة -هي الأخرى- تخوض رحلتها الخاصة بحثًا عن نافذتها؟
ليس السؤال متعلقًا بتجربة شخص بعينه، بل بواقع ثقافي أوسع يستحق التأمل.
كم من أصحاب الشغف الحقيقي يدخلون عالم الكتابة لأنهم يشعرون أن لديهم ما يمكن أن يضيف شيئًا جميلًا إلى المشهد العام؟ وكم منهم قد يتراجع مبكرًا لأن الطريق بدا أكثر غموضًا مما توقع؟
المسألة هنا لا تتعلق بالظهور الشخصي بقدر ما تتعلق بفكرة أكبر.
فالكلمة الجادة، خصوصًا في زمن البناء الوطني المتسارع، ليست مجرد نص عابر. إنها جزء من الوعي الوطني، ووسيلة لفهم ما يحدث حولنا، ومساحة تساهم في تفسير الإنجاز، وتعزيز الثقة، وبناء الإدراك المجتمعي الذي تحتاجه المجتمعات الحديثة.
وقد كتبتُ قبل فترة مقالًا في إحدى الصحف لم يرَ النور بعد، ناقشت فيه فكرة أن اللغة حين تدرك مسؤوليتها الحقيقية تصبح جزءًا من حراسة الأوطان نفسها. وهناك أدركت أن الكاتب حين يخلص للكلمة، فإنه يُسكن شيئًا من روحه في النص، ثم يتركه يبحث عن قارئ يمنحه حياة أخرى.
إن الأفكار لا تزال تولد كل يوم، واللغة العربية لا تزال قادرة على حمل أعقد المعاني وأعمق الرؤى. لكن التحدي الحقيقي ربما يكمن أحيانًا في قدرة هذه الأفكار على إيجاد نافذتها المناسبة، وفي وجود المساحات التي تدرك أن دعم الكلمة الجادة ليس مجرد فعل ثقافي، بل استثمار طويل المدى في الوعي نفسه.
وربما لا ينتبه كثيرون إلى أن بعض أصحاب الشغف الحقيقي - خصوصًا في بداياتهم - لا يبحثون عن حضور عابر، ولا عن شهرة سريعة، بقدر ما يبحثون عن شعور بسيط لكنه بالغ الأهمية: أن ما يقدمونه يجد من يراه بجدية، ومن يؤمن أن للفكرة مكانًا تستحق أن تصل إليه.
لأن بعض الكلمات لا تولد فقط كي تُقال..
بل كي تترك أثرًا أبعد من لحظتها.
بعضها قد يحمل فكرة جديدة، أو يفتح أفقًا مختلفًا، أو يمنح المجتمع زاوية أخرى لفهم ذاته وتحولاته.
ولهذا أجدني أكثر اقتناعًا اليوم بأن مسؤولية المشهد الثقافي لا تبدأ فقط من جودة ما يُكتب، بل أيضًا من قدرتنا جميعًا على أن نصنع للكلمة الجادة نوافذها العادلة، وأن نؤمن أن دعم الفكرة الحقيقية قد يكون - في بعض الأحيان - دعمًا لشيء أكبر بكثير من مجرد نص.
فالأوطان لا تُبنى فقط بالمشروعات الكبرى، بل تُبنى أيضًا بالأفكار التي تتحدث عنها، وبالوعي الذي يحرسها، وبالكلمات التي تجد طريقها في اللحظة التي تحتاجها المجتمعات أكثر من أي وقت آخر.
وفي زمن أصبحت فيه التقنية تعيد تعريف طرق الوصول والظهور، ربما يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس: من يكتب؟
بل كيف نضمن أن تجد الكلمة الجادة نافذتها التي تستحقها.. بعيدًا عن كل خوارزميات الصمت.!!