د. غالب محمد طه
بعد أن أثار الدكتور إبراهيم بن جلال فضلون في مقاله «المقصلة الرقمية للتعليم.. أين يقف العالم العربي؟!» نقاشاً واسعاً حول مستقبل التعليم، جاءت نهاية العام الدراسي في معظم الدول العربية لتعيد الأسئلة نفسها إلى الواجهة: ماذا فعلت الأدوات الرقمية بعلاقة الطلاب بالتعلّم؟ وكيف تغيّرت عاداتهم الذهنية بعد عام كامل من مصاحبة الخوارزميات؟
وامتد هذا النقاش إلى ما طرحته سابقاً حول «المقصلة الرقمية والهوية العربية»، لتصلني رسائل تتحدث عن تجارب يومية مع الجيل الجديد، من بينها سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يستحق التوقف: لماذا ينجذب بعض الطلاب إلى الرفيق الرقمي - أي أدوات الذكاء الاصطناعي التي ترافقهم في التعلّم - أكثر من المعلم؟
قبل أشهر، روى لي أحد العاملين في التعليم موقفاً ظل عالقاً في ذهني، قال: إن طالباً في المرحلة الثانوية لم يعد يرفع يده كما كان يفعل، وعندما سأله عن السبب، تردد قليلاً ثم قال: «ألجأ أحياناً إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لأنها تجيبني بسرعة، اعتدت هذا الإيقاع شيئاً فشيئاً».
توقفت عند الجملة أكثر من القصة، وبعد أيام اكتشفت أن عدداً من الأصدقاء يلاحظون السلوك نفسه لدى أبنائهم مع اقتراب الاختبارات: حين يراجعون أسئلة السنوات السابقة أو يتعثرون في فهم نقطة ما، فإن أول ما يفعلونه هو فتح أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي ليس بحثاً عن اختصار، بل عادة أصبحت تلقائية: سؤال سريع، إجابة فورية، ثم شرح إضافي عند الحاجة، عندها أدركت أن ما قاله ذلك الطالب لم يكن وصفاً للتقنية، بل لوَتيرة جديدة أصبحت مألوفة لديهم.
ومع تكرار التجربة، تتحول هذه السرعة إلى معيار غير معلن للحكم على مصادر المعرفة كلها. ولا أرى مشكلة في انجذاب الطلاب إلى الأدوات الجديدة؛ فلو كنا في أعمارهم ربما فعلنا الشيء نفسه، ما يقلقني هو ما يحدث حين نعتاد هذا الإيقاع إلى درجة تجعلنا نبحث عن الإجابة قبل أن نمنح أنفسنا فرصة للتفكير فيها. فالتقنية لا تسرّع الوصول إلى المعرفة فقط، بل تغيّر علاقة الطالب بالصبر الذهني نفسه.
فالذكاء الاصطناعي يمنح الطالب إجابة في ثوانٍ، لكنه لا يضمن أن يفهم كيف بُنيت تلك الإجابة أو لماذا ينبغي الوثوق بها.
كثير من الطلاب يقبلون المعلومة لأنها تأتيهم فوراً، دون فحص أو مقارنة أو نقاش، وأحياناً لا يطرحون السؤال الأهم: هل هي صحيحة أصلاً؟
ويعود الطلاب إلى هذه الأدوات لأنها حاضرة دائماً، وجاهزة للإجابة مهما تكررت الأسئلة، لا تطلب الانتظار، ولا تُشعر الطالب بالحرج من طرح سؤال يظنه بسيطاً. وقد يكون هذا الجانب أكثر أهمية مما نتصور؛ فالكثير منهم لا يبحثون عن إجابة أسرع فقط، بل عن مساحة يشعرون فيها بحرية السؤال.
ولسنوات طويلة، كان جزء مهم من التعلّم يحدث في المسافة بين السؤال والإجابة، هناك يتردد الطالب، ويفكر، ويجرب، ويخطئ، ويعود ليحاول من جديد. أما اليوم، فقد أصبحت تلك المسافة أقصر من أي وقت مضى.
الحصول على المعلومة لم يعد المشكلة. التحدي الحقيقي هو ما نفعله بها بعد ذلك، فبعض الجوانب الأساسية في التعلّم لا تنشأ من المعلومة وحدها، بل من الحوار حولها، ومن التصحيح، ومن الأسئلة التي تفتح أبواباً جديدة للتفكير.
ومن غير المنصف تحميل التقنية وحدها المسؤولية. فالطلاب يعيشون في بيئة سريعة الإيقاع؛ كثير مما يريدونه يصل إليهم بضغطة زر، لذلك لا يبدو مستغرباً أن يشعر بعضهم بأن وتيرة المدرسة أبطأ مما يعيشونه خارجها، وربما نحن الكبار نشعر بذلك أيضاً.
وهناك جانب آخر يستحق الانتباه: فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالإجابة، بل يتحدث بالطريقة التي اعتدنا أن نتلقى بها الإجابات من البشر، يجيب بلغة ودودة، ويتعامل مع التكرار بصبر، ويقترح أسئلة ومسارات إضافية للبحث، ومع الوقت، قد يصبح الخيار الأول كلما واجه الطالب سؤالاً أو حيرة.
وعند هذه النقطة، يتغير السؤال نفسه، فالقضية ليست لماذا ينجذب الطلاب إلى الذكاء الاصطناعي، بل ماذا يقول هذا الانجذاب عن الطريقة التي يريدون أن يتعلموا بها، وربما يكون الاستماع إلى هذه الإشارة أكثر فائدة من الاكتفاء بالقلق منها.
لعلّ في ذاكرة كلٍّ منا معلماً ما زال حاضراً رغم مرور السنوات، لا نتذكر بالضرورة ما كان يدرّسه، لكن حضوره يبقى. نتذكر سؤالاً طرحه في لحظة مناسبة، أو كلمة منحتنا ثقة لم نكن نملكها، أو فكرة جعلتنا نرى الأمور بطريقة مختلفة، تمر الأعوام وتتوارى تفاصيل كثيرة، لكن بعض الوجوه وبعض الكلمات تظل محتفظة بمكانها في الذاكرة.
ويبقى السؤال الذي طرحه الدكتور إبراهيم بن جلال فضلون جديراً بالتأمل: هل أدخلنا الذكاء الاصطناعي إلى عقول الطلاب قبل أن نفهم تماماً تأثيره المحتمل عليها؟
لا أظن أن أحداً يملك إجابة نهائية حتى الآن، لكن المؤكد أن انجذاب الطلاب إلى الرفيق الرقمي ليس الظاهرة التي تستحق القلق بقدر ما يستحقه فهم ما تكشفه هذه الظاهرة عن الجيل الجديد نفسه، فخلف كل إجابة فورية توجد أسئلة أكبر تتعلق بطريقة التعلّم، وبالصبر على المعرفة، وبالعلاقة المتغيرة بين الإنسان والتقنية.
وربما يكون التحدي الحقيقي في السنوات المقبلة هو أن نفهم هذه التحولات جيداً، لا أن نكتفي بمراقبتها، فالأدوات ستتغير باستمرار، أما السؤال عن كيف يتعلم الإنسان ويشكّل وعيه فسيبقى مطروحاً في كل عصر، وإن اختلفت وسائله.