د. أماني بنت خلف الغامدي
لم يعد تأخر سن الزواج أو العزوف عنه في المجتمع السعودي مجرد ظاهرة عابرة نناقشها في المجالس، بل تحول إلى واقع ديموغرافي واجتماعي جديد يفرض نفسه بقوة. فالأرقام والمؤشرات تؤكد أن جيل الشباب اليوم لم يعد يهرول نحو بيت الزوجية فور التخرّج كما كان يفعل الآباء والأجداد، بل أصبح يضع هذا القرار في «قائمة الانتظار» إلى إشعار آخر. هذا التحول ليس أزمة عادية، بل هو النتيجة الطبيعية لقطار التحديث السريع الذي ركبته المجتمعات فما الذي تغيَّر خلف الأبواب المغلقة؟ وكيف نُعيد لمؤسسة الأسرة جاذبيتها في عيون جيل الألفية والجيل الجديد؟ وعلينا أن نبدأ بالسؤال الأعم وهو: لماذا يهرب الشباب من «القفص الذهبي»؟ حسب ما كان الاعتقاد.
فإذا سألت شاباً أو فتاة اليوم عن سبب تأجيل فكرة الارتباط، فلن تسمع إجابة واحدة بسيطة، بل ستجد نفسك أمام شبكة معقدة من الأسباب التي يمكن اختصارها في محاور يتجلى أبرزها في طموح بلا حدود و«التمكين» الفردي فمثلاً الفتاة السعودية اليوم تعيش أزهى عصور تمكينها الأكاديمي والمهني. ولم يعد الزواج هو «المظلة الوحيدة» للأمان والاستقلالية؛ فالدراسات العليا والوظيفة وتحقيق الذات أصبحت أولويات تسبق خطوة الارتباط، مما جعل معايير اختيار الشريك أكثر دقةً واشتراطاً. وربما من وجهة نظر الشباب فإن فاتورة الزواج الباهظة تصدم الشباب بالواقع الاقتصادي لتكوين أسرة. كذلك تكاليف المهور الباهظة، وحفلات الزفاف الأسطورية التي تعززها وسائل التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى أسعار العقارات وتأسيس المنزل، كلها التزامات مادية تفوق قدرة شاب في مقتبل مسيرته المهنية، مما يجعل العزوبية خياراً آمناً من الناحية المالية ولو كان ذلك مؤقتاً.
ولعل من أبرز أسباب تأخر الزواج هو تغير التصور الثقافي، فنحن نحن نعيش عصر «الفردانية». والخطاب السائد اليوم يُعلي من شأن السفر، الاستمتاع بالحرية الشخصية، وبناء السيرة الذاتية، في مقابل تراجع الضغط الاجتماعي والأسري الذي كان يمارس على الشباب قديماً لتعجيل الزواج. كذلك يظهر فريق من المتجنبين لفكرة الارتباط الأسري فئة تحاول التجنب بسبب الخوف من الفشل فقصص الطلاق المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي خلقت نوعاً من «الفوبيا» أو المخاوف النفسية لدى الجيل الجديد من الفشل الأسري وتحمّل المسؤولية المشتركة.
ولكن في هذا النفق المظلم لا بد أن هناك خريطة الطريق: كيف نجعل الزواج خياراً «ممكناً وجذاباً»؟ حيث إن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم بالوعظ أو لوم الشباب، بل تحتاج إلى إستراتيجية واقعية ومبادرات عملية تلامس احتياجاتهم وتزيل العقبات من طريقهم. ومن أهمها الخطوات تسيير وتيسير (المسار الاقتصادي) فالحل يبدأ من تخفيف الأعباء. كما أننا بحاجة إلى التوسع في مسارات الدعم السكني الموجهة خصيصاً للمتزوجين الجدد، وتقديم حوافز وظيفية تدعم الاستقرار المالي في بدايات الحياة المهنية. وفي ظل ثورة التركيز الباهظ على «المظاهر» من حيث المسار الثقافي فقد آن الأوان لإطلاق حملة مجتمعية كبرى تتبناها وسائل الإعلام والمؤثرون لمحاربة «فشخرة» الأعراس والاستهلاك المبالغ فيه. وعلى الجميع تشجيع مبادرات الأعراس الجماعية، وإبراز النماذج التي بدأت حياتها ببساطة، وهذا بدوره سيعيد للزواج قيمته الإنسانية بعيداً عن الاستعراض الرقمي.
كذلك مما أرى أهميته الكبرى وجود رخصة لقيادة الأسرة وهو المسار التأهيلي فكما لا نسمح لأحد بقيادة السيارة دون رخصة، يجب ألا يدخل شاب أو فتاة القفص الزوجي دون تأهيل حقيقي. نحتاج إلى مأسسة الدورات التدريبية للمقبلين على الزواج، بحيث تشمل إدارة الميزانية، الذكاء العاطفي، وحل الخلافات، ليدخل الشباب من الطرفين هذه التجربة بثقة ونضج.
وفي الختام لا شك أن الزواج في المجتمع السعودي يمر بمرحلة «إعادة تعريف». والهدف ليس إجبار الشباب على الارتباط المبكر، بل مساعدتهم على خلق توازن صحي يجمع بين تحقيق طموحاتهم الشخصية وبناء أسر مستقرة ومتماسكة؛ فالأسرة كانت وستظل هي النواة الصلبة التي يقوم عليها أمن واستقرار هذا الوطن.