أ.د.عثمان بن صالح العامر
في زحمة الحياة وتصارم الليالي وتسارع الأيام، ينشغل كل منا أو على الأقل غالبيتنا عن أسرته بتأمين المستقبل، وملاحقة متطلبات العمل، والسعي لتحقيق الطموحات، حتى تمر سنوات أطفالنا سريعاً دون أن نشعر بها ونعيرها الاهتمام، ولا نتحسر على ذلك إلا حين يغيب صراخ الصغار وركضهم ومزاحهم وبكائهم داخل بيوتنا. نصيحتي لكل مازال لديه أطفال، استمتع بصغارك وهم حولك، سافر معهم، لاعبهم، شاركهم تفاصيلهم الصغيرة. اجلس إلى جوارهم واستمع إلى أحاديثهم البريئة وأسئلتهم العفوية، فهذه التفاصيل التي قد تبدو لك عادية اليوم ستصبح غداً ذكريات ثمينة تتمنى لو تعود.
كم من أب كان يؤجل رحلة عائلية بحجة الانشغال، أو يؤخر جلسة لعب مع أبنائه انتظاراً لوقت أكثر فراغاً، ثم يكتشف بعد سنوات أن الأطفال كبروا، وأن اهتماماتهم تغيرت، وأن الفرصة التي كانت متاحة بالأمس لم تعد كما كانت. فالطفولة مرحلة قصيرة العمر، لكنها طويلة الأثر في النفوس.
إن السفر مع الأبناء لا يعني الانتقال من مكان إلى آخر فحسب، بل هو صناعة للذكريات، وتعزيز للروابط الأسرية، وفتح لنوافذ الحوار والمحبة. أما اللعب معهم فهو لغة يفهمها الأطفال أكثر من الخطب والنصائح، ومن خلاله يشعرون بالأمان والاهتمام والانتماء. لا تظن أن الحب مفهوم ضمني لا يحتاج إلى إظهار، فالأبناء بحاجة إلى سماع كلمات المحبة ورؤية مظاهرها في السلوك اليومي. قبلة على الجبين، واحتضان صادق، وكلمة تشجيع، وابتسامة دافئة، كلها رسائل تبقى راسخة في وجدانهم مهما تقدم بهم العمر. الزمن يمضي أسرع مما نتخيل، والأعوام تتسابق دون استئذان. الطفل الذي تمسك بيده اليوم سيصبح شاباً يعتمد على نفسه غداً، والابنة التي تملأ المنزل ضحكاً ستنشغل بحياتها وأسرتها في المستقبل. وهنا يدرك الإنسان أن أغلى ما يملكه لم يكن المال ولا المناصب، بل تلك اللحظات التي قضاها مع أسرته وأبنائه.
إن أعظم استثمار يقوم به الوالدان ليس في العقارات أو الحسابات البنكية، بل في بناء الذكريات الجميلة مع أبنائهم، وغرس الحب في قلوبهم، وتخصيص الوقت لهم. فالأطفال لا يتذكرون غالباً حجم ما أنفقناه عليهم، لكنهم يتذكرون جيداً مقدار الوقت الذي منحناه لهم. لذلك، لا تؤجل الفرح، ولا تؤخر الرحلة، ولا تغيب كلمة الحب. استمتع بصغارك اليوم، والتقط معهم الصور، واصنع معهم المواقف الجميلة، وشاركهم تفاصيل الحياة؛ فغداً سيكبرون، وستتغير الأحوال، وستبقى الذكريات وحدها شاهدة على أجمل مراحل العمر. فما داموا حولك، امنحهم وقتك وقلبك، فالأيام لا تعود، والطفولة لا تتكرر، والعمر يمضي في صمت، تاركاً خلفه ما صنعناه من محبة وذكريات، حفظ الله لنا ولكم الاولاد والاحفاد وأصلح لنا ولكم النية والذرية.. وإلى لقاء والسلام.