د. أنس عضيبات
في عالمٍ يقتات على إشعال رغباتنا، ويقيس قيمتنا بقدرتنا على الركض المتواصل، يسقط الإنسان المعاصر صريعاً لـ«تشنج وجودي» حاد، إذ إننا نعيش حقبة «الاحتراق العاطفي» بامتياز، حيث تحول المجهول إلى وحشٍ يتربص بنا، واستحالت الطمأنينة عملة نادرة في سوق المقارنات الرقمية والاجتماعية الزائفة، وهذا الاستنزاف العصبي المستمر ليس سوى ضريبة باهظة ندفعها عندما نرهن سلامنا الداخلي لتقلبات محيط مأزوم، ونبحث عن «الأمان» في جغرافيا خارجية شديدة الهشاشة والتحول.
ووسط هذا التيه، يبرز «الرضا» كأعلى مراحل الوعي الإنساني، وكإعلان حاسم عن انتهاء صلاحية القلق، حيث إنه ليس استسلاماً للمكتوب، بل هو «بصيرة كاشفة» ترى حكمة الله في جدلية الأخذ والمنع كقانون وحماية لا حرمان، وحين يدرك المرء أن المنع الإلهي هو عين العطاء، ينقشع ضباب التوجس، وتتوقف الروح عن التوسل والارتجاف أمام ما تخبئه الأيام؛ لتتحول الطاقة النفسية من التشنج في مواجهة الأقدار، إلى التدفق بسلام وثقة مع مساراتها.
هذه الرؤية الإيمانية والعميقة تشكل للمرء «دروعاً نفسية منيعة» وحدوداً شخصية مستقلة تماماً، تعزله عن ضوضاء المظاهر الاجتماعية الخادعة، كما أن الإنسان الذي يتحرر من الركض خلف قوالب «النجاح الجاهز» التي يفرضها المجتمع، يبني حصانة ذاتية ضد التلوث السمعي والبصري المحيط به، كما أنه يرفض بوعي صارم أن يعيد إنتاج توترات الآخرين داخل وعيه، فيصبح جسداً في المجتمع، لكن روحه تحلق في فضاء مستقل لا تطاله رياح «التريندات» العابرة أو التصفيق المزيف.
وتتجلى أسمى علامات الرشد الإنساني في هذه المرحلة، عبر امتلاك «مركز تحكم داخلي مستقر»، وإيصاد الأبواب نهائياً في وجه وساوس الخوف والارتهان للخارج وهنا، يتوقف المرء عن تملّق الأمان من الآخرين أو استجدائه من الظروف؛ فالبوصلة لم تعد معلقة في مهب الريح الخارجية، بل باتت مغروسة في عمق الكينونة، وهذا الاستقرار العصبي المكتسب يمنح الإنسان شجاعة الفرز، وترتيب الأولويات، وحسم المعارك النفسية لصالحه، دون أن يترك مشاعره مشاعاً للصدف والمؤثرات المؤقتة.
في نهاية المطاف، يتجلى «الإنسان الكافي بذاته» كرمزٍ حيّ للاستغناء الشجاع والسلام الباطني الخالص، وأنه الفرد الذي اتخذ قراراً سيادياً بوضع استقراره العصبي ورسالة وجوده فوق كل اعتبار، بحزمٍ لا يعرف التراجع، وهذا الاكتفاء لا يعني الانكفاء أو العزلة، بل يعني الحضور في العالم بقوة «المرتوي من الداخل»، الذي يشارك الآخرين الحياة دون أن يذوب في أزماتهم، ويقود كينونته بنقاء واكتشاف، مترفعاً بحسم عن كل ما يخدش سلام طمأنينته الإنسانية.