د. سجى عارف
شائعة اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي لا تختفي مع أول تكذيب لها، بل أصبحت سلاحًا ناعمًا يُطلق من خلف الشاشات، ليصيب مجتمعًا كاملًا دون أن نرى يدًا تحمل الزناد، سلاحٌ قادر على تفكيك أسرة، وتشويه هوية، وإشعال غضب شعب ضد آخر، وكل ذلك من حسابات مجهولة لا نعرف من يديرها ولا لصالح من تعمل.
لكن السؤال الذي ربما نخشى طرحه: من المستفيد من كل هذا الدمار؟
في إحدى القصص التي اجتاحت المنصات، انتشرت صورة مفبركة لزوجين قيل إن خلافهما وصل للطلاق، الصورة انتشرت، والناس انقسموا، والتعليقات اشتعلت، لكن الحقيقة؟ أن القصة لم تحدث أصلًا. ومع ذلك، تركت أثرًا نفسيًا على آلاف الأسر التي رأت في القصة تهديدًا مباشرًا لاستقرارها، هكذا تعمل الشائعات: لا تحتاج إلى أن تكون صحيحة، يكفي أن تكون قابلة للتصديق أو التبني.
الدراسات الحديثة تشير إلى أن أكثر من 70 % من الأخبار المتداولة على المنصات العربية غير دقيقة، وأن المحتوى العاطفي ينتشر أسرع بـ6 مرات من المحتوى العقلاني، وهذه ليست مصادفة، بل هندسة وعي مقصودة.
في الوقت الذي تتقارب فيه القيادات العربية، وتتعزز فيه الشراكات الإقليمية، وتتوحد فيه المصالح الأمنية والسياسية، تشتعل على المنصات الرقمية معارك وهمية بين الشعوب.
حسابات مجهولة تقتطع مقطعًا من سياقة، أو تُفسر تصريحًا بطريقة عدائية، أو تنشر خبرًا مضللًا، أو تعيد نشر أحداث قديمة، فتشتعل التعليقات، وتبدأ مواجهة كراهية لا علاقة لها بالواقع السياسي الحقيقي. هذا التناقض بين اتفاق القيادة وتصادم الشعوب على مواقع التواصل الاجتماعي ليس طبيعيًا أو واقعيًا. إنه نتيجة البروباغندا الرقمية التي تستهدف الوعي الجمعي، وتُعيد تشكيل الرأي العام بعيدًا عن الحقائق.
الذباب الإلكتروني ليس مجرد حسابات مزعجة بل جيوش بلا وجوه، ومنظومة كاملة تعمل وفق إستراتيجيات مدروسة لتضخيم الخلافات الصغيرة، ونشر الشائعات بسرعة فائقة، وخلق انقسامات داخل المجتمع، وتشويه الرموز الوطنية، وإثارة العداء بين الشعوب العربية، وهذه الجيوش الرقمية لا تبحث عن الحقيقة، بل عن إرباك الوعي، وإشغال الناس بمعارك جانبية، وإضعاف الروابط التي تجمع العرب منذ قرون، وتغير المبادئ الأساسية الراسية بينهم.
ولا بد أن أطرحه من سؤال: من المستفيد من تدمير الأسر؟ ومن ضرب الهوية العربية؟ ومن تهييج الشعوب العربية ضد بعضها؟ ومن تحويل المنصات إلى ساحات صراع عربي عربي، الجواب واضح فالمستفيد هو من يريد إضعاف المنطقة العربية، وتشتيت تركيزها، وإشغال شعوبها عن التنمية والابتكار والنهضة.
والتاريخ الحديث مليء بالأمثلة على تدخلات وحملات تضليل تقودها شركات بيانات، وجيوش إلكترونية تُستخدم في النزاعات الإقليمية، لذا ما يحدث ليس عشوائيًا بل مخططًا إستراتيجيًا يستهدفنا.
المعركة اليوم ليست معركة إعلامية فقط، بل هي معركة وعي، وكي ننتصر فيها نحتاج إلى تعزيز التفكير النقدي لدى الأفراد، والتأكد من المصادر قبل مشاركة أي محتوى، ورفض الانجرار وراء الخطابات العدائية، وعدم المشاركة فيها، وتعزيز الهوية العربية والإسلامية المشتركة، ودعم المحتوى المسئول الذي يبني ولا يهدم، ومحاسبة الحسابات المجهولة وعدم منحها سلطة على مشاعرنا ومعاقبة من ينجرف خلفها.
الفتنة لا تنتصر إلا إذا سمحنا لها نحن بذلك، فالشائعة لا تمتلك قوة ذاتية، بل تستمد قوتها من تفاعل الناس معها، وعندما تجد قلوبًا مستعدة للاشتعال، والتفرقة لا تنتصر إلا عندما ننسى أننا أمة واحدة، وتاريخ واحد، ومصير واحد، ولقد آن الأوان أن نسأل أنفسنا: هل نريد أن نكون وقودًا لمعركة لا نعرف من أشعلها؟ أم نريد أن نكون جزءًا من وعي يحمي أوطاننا وأسرنا وهويتنا العربية والإسلامية.