د. عيسى محمد العميري
يُعد الحديث عن مستقبل النظام السياسي في إيران من أكثر الموضوعات التي تستقطب اهتمام الباحثين والمراقبين للشؤون الإقليمية والدولية، خاصة في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجهها البلاد خلال السنوات الأخيرة. ورغم صعوبة التنبؤ بمسار الأحداث بشكل دقيق، فإن العديد من المؤشرات الحالية تسمح برسم بعض السيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام الإيراني وشكل السلطة فيه خلال المرحلة المقبلة.
منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، تأسس النظام على مبدأ «ولاية الفقيه»، حيث يحتل المرشد الأعلى موقع السلطة العليا في الدولة، بينما تتوزع الصلاحيات بين المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية.
إلا أن العقود الماضية شهدت تنامياً ملحوظاً في نفوذ المؤسسات العسكرية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، الذي تحول من قوة أمنية وعسكرية إلى لاعب رئيسي في الاقتصاد والسياسة وصناعة القرار. وتشير العديد من التحليلات إلى أن المستقبل قد يشهد انتقالاً تدريجياً لمركز الثقل داخل النظام من المؤسسات الدينية التقليدية إلى المؤسسات العسكرية والأمنية. ويستند هذا الرأي إلى أن الحرس الثوري بات يمتلك نفوذاً واسعاً داخل مفاصل الدولة، فضلاً عن دوره المؤثر في الملفات الإقليمية والاستراتيجية. كما أن التحديات الأمنية التي تواجهها إيران تدفع النظام بصورة متزايدة إلى الاعتماد على الأجهزة العسكرية لضمان الاستقرار الداخلي وحماية مصالحه. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فقد يصبح النظام الإيراني أكثر ميلاً إلى الطابع العسكري، مع بقاء الغطاء الديني قائماً من الناحية الشكلية والدستورية. بمعنى آخر، قد تستمر المرجعية الدينية كرمز للشرعية السياسية، لكن النفوذ التنفيذي الفعلي قد ينتقل بصورة أكبر إلى القيادات الأمنية والعسكرية القادرة على إدارة الملفات الحساسة داخلياً وخارجياً.
أما فيما يتعلق بسلطة المرشد الأعلى، فإن مستقبلها سيعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة المرحلة التي ستلي أي انتقال للقيادة في إيران. فمن الممكن أن تستمر المؤسسة الدينية في الاحتفاظ بمكانتها الحالية إذا نجحت في الحفاظ على توازن القوى داخل النظام. لكن هناك احتمالاً آخر يتمثل في تراجع النفوذ المباشر للمرشد لصالح مؤسسات جماعية أو مراكز قوى متعددة، يكون للحرس الثوري فيها دور أكبر من السابق. ورغم هذه الاحتمالات، فإن الحديث عن تآكل كامل لسلطة المرشد يبدو أمراً غير مرجح في المدى القريب، لأن بنية النظام الإيراني قامت أساساً على هذا المنصب، كما أن مؤسسات الدولة المختلفة ما زالت تستمد جزءاً مهماً من شرعيتها من موقع المرشد الأعلى.
ولذلك فإن السيناريو الأقرب يتمثل في إعادة توزيع النفوذ داخل النظام بدلاً من إلغاء الدور الديني بصورة كاملة.
وفي المحصلة، يبدو أن مستقبل إيران قد يتجه نحو نموذج يجمع بين استمرار الشرعية الدينية وتصاعد النفوذ العسكري، بحيث يصبح الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية أكثر تأثيراً في إدارة الدولة، بينما تبقى المرجعية الدينية حاضرة للحفاظ على التوازن السياسي والشرعية الدستورية. ومع ذلك، تبقى جميع هذه السيناريوهات رهناً بالتطورات الداخلية والإقليمية التي قد تفرض مسارات مختلفة خلال السنوات المقبلة. هذا المقال مبني على قراءة تحليلية للاتجاهات الحالية، وليس على معلومات مؤكدة بشأن مستقبل النظام الإيراني، إذ إن التطورات السياسية قد تؤدي إلى نتائج مختلفة عن أي توقعات مطروحة اليوم. اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً.
** **
- كاتب كويتي