د. محمد بن عبدالله آل عمرو
الكلمة التي يتفوه بها الإنسان ليست صوتًا عابرًا تذروه الرياح، وإنما هي مسؤولية دينية وأخلاقية واجتماعية، قد ترفع صاحبها إلى أعلى المراتب، وقد تهوي به إلى أسفل الدركات. ولأجل ذلك جاء التحذير النبوي شديدًا من إطلاق اللسان دون ضابط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وهل يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم»، وقيل في الحكمة العربية: «كم من كلمة قالت لصاحبها دعني».
ومن هنا فإن الخطر لا يكمن في قدرة الإنسان على الكلام، وإنما في عجزه عن تقدير عواقب ما يقول. فقد يملك المرء لسانًا بليغًا وأسلوبًا مؤثرًا، لكنه إذا افتقد الحصافة تحولت بلاغته إلى وسيلة للهدم بدل البناء، وإلى معول يضرب أواصر المحبة والثقة بين الناس.
إن الفصاحة قيمة جليلة إذا كانت في خدمة الحكمة، لكنها تصبح عبئًا إذا انفلتت من ضابط العقل. فليس المقصود أن يقول الإنسان كل ما يعرف، وإنما أن يزن كلماته قبل أن ينطق بها؛ لأن الكلمة إذا خرجت لم يعد يملك استردادها.
ولقد شهد التاريخ أن كثيرًا من الحروب والفتن لم تبدأ بضربة سيف، وإنما بدأت بكلمة. فكلمة متعجلة، أو اتهام غير مسؤول، أو خطبة مشحونة، أو بيت شعر مستفز، كانت كافية لإيقاظ الأحقاد وإشعال الثارات. وما حرب البسوس، التي استمرت قرابة أربعين عامًا، إلا شاهدٌ على أن شرارة صغيرة، إذا غذَّتها العصبية والكلمات المثيرة، قد تتحول إلى حرب تأتي على الأخضر واليابس، وكذلك حرب داحس والغبراء التي أصبحت مضربًا للمثل في الفتن التي تجاوزت أسبابها الأولى.
وفي التاريخ الإسلامي كانت الشائعات من أخطر أسلحة أهل الفتنة، وحادثة الإفك شاهدٌ خالد على أن كلمة باطلة كادت أن تزلزل مجتمعًا بأسره، حتى أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، لتبقى درسًا خالدًا بأن الكلمة قد تكون جريمة إذا لم تُبن على علم وعدل.
ولم يسلم أصحاب الكلمة المنفلتة من آثارها؛ فكم من خطيب أو شاعر أو قائد خسر مكانته، وكم من أسرة تمزقت، وكم من مجتمع انقسم بسبب كلمة قيلت في ساعة غضب أو انفعال.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي تضاعفت مسؤولية الكلمة؛ فما كان يبقى حبيس مجلس محدود أصبح اليوم ينتشر إلى ملايين الناس في دقائق. وقد تكفي تغريدة أو تعليق عابر لإشعال خصومة واسعة أو تأجيج رأي عام، وقد يصل الأمر إلى ارتكاب جريمة قتل، ثم يكتشف صاحبها أن حذف الكلمات لا يمحو آثارها من العقول والقلوب.
ولهذا فإن كلَّ متحدث في مجلس، أو صاحب منبر، وكلَّ كاتب أو إعلامي، بل وكلَّ مستخدم لوسائل التواصل، مطالب بأن يجعل الحصافة حارسًا على لسانه، فلا يسمح للكلمة أن تخرج حتى تمر بميزان الحكمة. فليس النجاح أن تُصفق الجماهير لعبارة مثيرة، وإنما أن تكون الكلمة سببًا في الإصلاح، وجمع القلوب، وإخماد الفتن، وإشاعة المودة.
وقد لخّص القرآن هذا المنهج بقوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}، وقال سبحانه: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}، فالكلمة الحسنة ليست مجرد أدب في الحديث، بل وسيلة لحماية المجتمع من النزاع والفرقة.
إن الكلمة قد تكون دواءً يشفي القلوب، وقد تكون سهمًا يمزقها، وقد تكون جسرًا يصل بين الناس، وقد تكون نارًا تأتي على الأخضر واليابس. ولذلك فإن أعظم البلاغة ليست في جمال العبارة، وإنما في سلامة أثرها، وأعظم الفصاحة ليست في حسن الكلام، بل في معرفة متى تتكلم، وماذا تقول، وكيف تقول، ولمن تقول. فإذا اجتمع البيان مع الحكمة كانت الكلمة نورًا وهداية، وإذا انفصل البيان عن الحصافة أصبحت الكلمة المنفلتة شرارة قد تحرق صاحبها قبل أن تحرق غيره.