فضل بن سعد البوعينين
تعهدت واشنطن، في مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية، «بالتعاون مع شركاء إقليميين، بوضع خطة نهائية متفق عليها بشكل متبادل بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصاديا». وبالرغم من عدم تحديد المذكرة الجهات المسؤولة عن تمويل الصندوق، إلا أنها تشير ضمنا إلى دول الخليج، وهو ما تناوله الإعلام عطفا على تسريبات صحافية وتعليقات رسمية.
هناك تحول في إدارة المواجهة العسكرية من الجانب الأمريكي، عطفا على الضغوط الداخلية التي يواجهها الرئيس دونالد ترمب، والحزب الجمهوري، تتطلب التهدئة، والتوصل إلى اتفاق عاجل ينهي الحرب. وهو أمر استغله الإيرانيون لتحقيق مكاسب أكثر، وطلب المزيد من الحوافز الاقتصادية، والتمسك بالسيادة على مضيق هرمز، وفرض رسوم عبور على الناقلات.
لدى أمريكا قدرة فائقة على إشعال الحروب في المنطقة، ثم الانسحاب المفاجئ وتحميل تداعياتها دول الخليج، ومطالبتهم بتحمل تكاليف وقفها، التي تصب دائما في مصلحة المعتدي، ما شجع إيران على ممارسة عدائيتها وتهديد أمن واستقرار المنطقة، ثم التفاوض لفرض أتاوات من أجل وقف إعتداءاتها، وطلب المزيد من الحوافز الاقتصادية.
فصول من مسرحية هزلية بسيناريوهات متعددة تقود دائما إلى نتيجة واحدة، رسمها مخرج المسرحية باحترافية تآمرية، وغير أخلاقية. لا يمكن لإيران أن تلتزم بما اتفقت عليه، وكل ما يتداول عن التعهدات الإيرانية، لا تعدو أن تكون تعهدات كاذبة، سيتم نقضها قبل أن يجف حبر الاتفاقية. فنقض العهود، والخداع، والتقية، من الصفات المتجذرة في النظام الإيراني، وركن من أركان عقيدتهم السياسية الفاسدة.
نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس أكد بأن إيران «لن تحصل على سنت واحد من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين» بموجب الاتفاق!، ما يعني تحميل دول المنطقة، التي لم تكن يوما طرفا في المواجهة ولم تتسبب في إشعال فتيلها، مسؤولية تمويل الصندوق المقترح.
لا يمكن لدول الخليج تمويل الصندوق بـ300 مليار دولار، لتصب في مصلحة المعتدي. فإيران ليست في حاجة إلى التمويل، بقدر حاجتها إلى استثمار مواردها في التنمية وإعادة الإعمار بدلا من تمويل الإرهاب، وتغذية وكلائها في المنطقة. فإضافة إلى مخزونها من النفط والغاز، وإيراداتها النفطية، فهي تمتلك أصولا مجمدة في الخارج، تغنيها عن طلب التمويل من دول المنطقة.
لدى إيران أصول مجمدة يتجاوز حجمها 120 مليار دولار، بحسب تقديرات سابقة لصندوق النقد الدولي، يتركز معظمها في الولايات المتحدة، ما يعني إمكانية رفع الحجز عنها لتمويل مشروعات إعادة الإعمار.
كما أن رفع الحظر عن صادرات إيران النفطية يعني الحصول على عوائد مالية ضخمة يمكن أن تغطي احتياجات إعادة الإعمار متى أحسن النظام إدارتها. لذا فالحديث عن تمويل دول المنطقة صندوق إعادة الإعمار يجب أن يتوقف، وأن يواجه بالرفض التام من دول الخليج، المتضرر الأكبر من الحرب، والإرهاب الإيراني.
من جهة أخرى، يفترض أن ترتبط مشاريع إعادة الإعمار بتغيير النظام، المتسبب في تدمير إيران واقتصادها خلال العقود الماضية، وتسببه في المواجهات العسكرية وتقويض أمن المنطقة، ونشر الإرهاب. وهو أمر لم يحدث بعد، فالمواجهة العسكرية لم تسفر عن تغيير النظام برغم استهداف رموزه، بقدر ما أسهمت في تصعيد عدائيته، واستمراره في تهديد أمن المنطقة، والاقتصاد العالمي.
كان من المهم تضمين اتفاقية إنهاء الحرب، بند لدفع تعويضات إيرانية لدول الخليج نظير تعرض منشآتها النفطية، ومطاراتها، والبنى التحتية، للتخريب. تحميل إيران الخسائر الناجمة عن هجماتها من أدوات العقاب التي ستسهم في ضبط سلوكها المستقبلي تجاه دول المنطقة. أما تقديم الحوافز الاقتصادية، فهي من أدوات تحفيز النظام الإيراني على مواصلة هجماته العدائية مستقبلا. والأخطر من ذلك محاولة بعض دول المنطقة وقف عدائية إيران من خلال «الرشوة المالية المانعة للاعتداء» وهذه أعظم وأخطر، بسبب تكريسها لإرهابية الدول، وتحفيزها على مهاجمة دول المنطقة مستقبلا، طلبا للمال والحوافز الاقتصادية.
صندوق إعمار إيران يجب أن يرتبط بتغيير النظام الحالي، وأن يتم تمويله من أصول إيران المجمدة، ومواردها النفطية فهي دولة غنية أفقرها نظام الملالي، وتسبب في انهيار اقتصادها وإذلال شعبها، وتهديد أمن واستقرار المنطقة، وتعريض الاقتصاد العالمي للأزمات.